الانتخابات النيابية: هل تعود "الحريري" لتقلب موازين الاستحقاق؟

تشهد العملية الانتخابية في لبنان مسارًا معقدًا مليئًا بالتحديات القانونية والسياسية. فقد ظهرت إشكاليات مختلفة في القرارات والمراسيم والتعاميم الصادرة، إضافةً إلى اعتراضات على آليات التنفيذ، وصولًا إلى الجدل الدائر حول تصويت المغتربين. ومع ذلك، يبدو أن هناك تقدمًا ملحوظًا في إزالة هذه العقبات بشكل تدريجي، وكأن هناك إصرارًا على إجراء الانتخابات في الموعد المحدد، وأن الجهود الحالية تهدف فقط إلى تذليل الصعاب.

وفي هذا السياق، كان لرأي هيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل أهمية كبيرة. فقد منحت الهيئة وزير الداخلية أساسًا قانونيًا لاعتماد آلية تصويت المغتربين لـ128 نائبًا كما جرى في الانتخابات السابقة، بدلًا من تخصيص ستة مقاعد لهم فقط. وعلى الرغم من أن هذا الرأي ليس ملزمًا كحكم قضائي، إلا أنه يوفر غطاءً قانونيًا كافيًا للمضي قدمًا في العملية الانتخابية. وهذا يعني أنه أصبح بإمكان الوزير إجراء الانتخابات على أساس تصويت المغتربين في دوائرهم الأصلية، مما يزيل إحدى أهم المشكلات التي ظهرت في الفترة الأخيرة.

ولكن، هل انتهت جميع العقبات؟ الإجابة هي لا. لا تزال هناك مشكلة واحدة قائمة، وهي احتمال لجوء أي طرف متضرر إلى مجلس شورى الدولة للطعن في قرارات ومراسيم وزارة الداخلية، مع طلب تعليق التنفيذ. وإذا قُبل هذا الطلب، فقد يدخل لبنان في مسار قانوني يعرقل الانتخابات. أما إذا رُفض الطلب، فستكون آخر العقبات الداخلية قد أُزيلت، ويصبح إجراء الانتخابات في الموعد المحدد أمرًا شبه مؤكد على الصعيد المحلي.

إلا أن السياسة لا تقل تعقيدًا عن القانون. فعلى الرغم من الحديث عن مخالفات وثغرات، وعلى الرغم من الجدالات القانونية، يبدو أن الرغبة العامة داخل السلطة تتجه نحو إجراء الانتخابات بغض النظر عن الاعتراضات. ويبدو أن القرار السياسي قد اتُخذ قبل النقاش القانوني، وليس العكس.

بالإضافة إلى ذلك، هناك عامل آخر أكثر حساسية، وهو عودة الرئيس سعد الحريري إلى الساحة السياسية. فقد صرح بأنه سيحدد موقفه عندما يُعلن موعد الانتخابات، وألمح إلى إمكانية المشاركة. وعلى الرغم من أن المسألة تبدو داخلية في ظاهرها، إلا أنها في الواقع مرتبطة بحسابات إقليمية دقيقة، خاصةً في ظل التوتر المتزايد بين الرياض وأبوظبي في مناطق مختلفة. ورغم أن لبنان بقي حتى الآن خارج الصراع المباشر، إلا أن الهجوم الشديد الذي شنته قناة “الحدث” على الحريري، واتهامه – عبر أحمد الحريري – بالتحالف مع حزب الله، يشير إلى أن الساحة اللبنانية ليست بمنأى عن هذا التجاذب.

وإذا قرر الحريري خوض الانتخابات، فقد تتحول هذه الانتخابات إلى ساحة صراع سياسي إقليمي، وعندها سيصبح العامل الخارجي عنصرًا حاسمًا في تحديد مصير الانتخابات. أما على الصعيد الداخلي، فإن القوى السياسية تستعد للمعركة الانتخابية، ولكن بحذر، لأن أي تغيير في المناخ الإقليمي قد يغير الحسابات.

وفي الخفاء، يفضل عدد كبير من النواب تأجيل الانتخابات. والسبب في ذلك هو أن بعضهم يرى أن مقاعدهم مهددة، بينما لا يرغب البعض الآخر في إنفاق مبالغ كبيرة على الحملات الانتخابية، خاصةً وأن النتائج في بعض الدوائر الانتخابية شبه محسومة. والسؤال الذي يطرحونه بهدوء هو: ما الفائدة من معركة مكلفة إذا كانت موازين القوى، وخاصةً فيما يتعلق بالمقاعد الشيعية، ثابتة تقريبًا؟ بالنسبة لهؤلاء، تبدو الانتخابات مجرد إجراء شكلي أكثر من كونها فرصة للتغيير الحقيقي.

وهكذا، يواجه لبنان معادلة واضحة: على الصعيد الداخلي، يسير المسار نحو تثبيت موعد الانتخابات. أما على الصعيد الخارجي، فإن أي تغيير في الحسابات الإقليمية قد يغير كل شيء. وبين قرار الداخل وترقب الخارج، تظل الانتخابات النيابية اختبارًا جديدًا لقدرة الدولة على إجراء الانتخابات في موعدها… أو تأجيلها مرة أخرى تحت ضغط السياسة.