
:
ألقى الرئيس سعد الحريري كلمة بالغة الأهمية، حدد فيها المسارات السياسية التي سيسلكها تيار المستقبل في الاستحقاقات القادمة، وأهمها العودة إلى العمل السياسي من خلال المشاركة في الانتخابات النيابية، إذا ما جرت بالفعل.
وبلغة قريبة من قلوب الجماهير التي احتشدت أمام ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الذكرى الـ 21 لاغتياله، تحدث الحريري عن المبادئ التي يؤمن بها التيار، في الماضي والحاضر والمستقبل.
وقال في الذكرى الـ 21 لاستشهاد والده رفيق الحريري: “ما شاء الله… ما شاء الله… ما شاء الله… لستم قلة والله! بعد 21 سنة، والله لستم قلة! بعد كل الشائعات، وكل التهويل وكل التلفيق، نعم والله لستم قلة!!! لم تكونوا مرة قلة، ولن تكونوا إلا كثراً، لأننا نحن والحق… أكترية!”
وباسم هؤلاء الحشود، وجه الرئيس الحريري رسالة قال فيها: “أنتم، ومن يشاهدوننا، الذين عقولهم وقلوبهم معنا، أفهمكم واحداً واحداً، أعرفكم أنتم الثابتين على قناعاتكم، الصابرين، الذين لا يبيعون اعتدالهم بسوق الجنون السياسي، ولا يبيعون انتماءهم بمعرض المزايدات المعيبة!”
وأضاف: “أنتم خط الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذين تقولون بوجودكم كل سنة في هذه الساحة، وبكل ساعة وبكل ساحة، أن الرئيس الشهيد حي فيكم”.
وتابع مخاطباً الحشود: “كل يوم وكل سنة تعلنون التمسك بنهجه، وأنكم تقولون وتفعلون، وتقولون بأعلى صوت: الاعتدال ليس تردداً بل شجاعة، والصبر ليس ضعفا بل إيمان بهذه المدرسة الوطنية، وأن مشروع رفيق الحريري أنتم الذين أثبتم أنه ليس حلماً ينتهي مع اغتياله، لأنكم أنتم حلم رفيق الحريري للمستقبل، أنتم… المستقبل!”
غداً أفضل:
أكد الحريري أن الغد سيكون أفضل، مستشهداً بقسم جبران تويني وكل شهدائنا، وقال: “غداً أفضل والنور واضح بنهاية النفق، وهذا، صدقوني… آخر نفق!”
واعتبر أن رفيق الحريري لم يكن مجرد شخصية عابرة، ولا بائعاً للأوهام، بل كان مثالاً لرجل دولة آمن حتى الاستشهاد بأن: “ما حدا أكبر من بلده!” والدليل على ذلك مكانته في عقول وقلوب وضمائر اللبنانيين، ولهذا السبب، نسمع الناس بالأمس واليوم وغداً يقولون: البلد والاقتصاد والثقة والعيش المشترك يحتاجون إلى نهج رفيق الحريري.
وأشار إلى أن هؤلاء المناصرين ليسوا قلة، وقال لهم: “أنتم صمام الأمان في هذا البلد، أنتم الرقم الصعب، أنتم هذه المدرسة التي تعرف وتثبت للناس يومياً، أن تيار المستقبل لا يرى السياسة مناصب، ولا وجاهة، ولا تزلف!”
سياسة وفاء وكرامة:
أوضح الحريري رؤية تيار المستقبل، الذي يرى السياسة وفاءً ودفاعاً عن كرامة الوطن، وعن سيادة الـ10452 كيلومتر مربع، وعن حقوق جميع الناس، في كل منزل في الشمال والبقاع والجنوب والجبل، وفي كل حي في بيروت والضواحي.
وكشف أنه عندما طُلب منه أن يغطي الفشل وأن يساوم على الدولة، رفض وقرر الابتعاد، لأنه، كما يرى، السياسة على حساب كرامة الوطن وعلى حساب مشروع الدولة، لا معنى لها، وليس لها مكان في مدرستنا.
وقال: “هناك أناس لا يحبون إلا السلطة، وهناك أناس قبل السلطة، يحبون الناس، “وانا شو بدي اعمل؟ بحبكم الكم”، لأنني من مدرسة الناس أولاً!”
وشدد قائلاً: “ابتعدنا لكننا موجودون ونعيش همومكم، ونرى من يعتقدون أنهم سيلغونكم، والذي حولوا أنفسهم للأسف، إلى خناجر للطعن بي ليل نهار… لكن ظهري يتحمّل، ظهري جبل، لأنكم أنتم ظهري، وسندي وعزي وأهلي وناسي!”
“محسوبكم سعد”:
أكد الحريري مبدأه في الحياة السياسية بالقول: “محسوبكم سعد، لا يضيع البوصلة، ولا يبيع ولا يشتري ولا يتاجر بالناس! ومن يحاولون إقناعكم أن مدرسة رفيق الحريري أقفلت أبوابها، وأن تيار المستقبل صار مستقبله خلفه… وأن الحريرية الوطنية، انسى! صارت من التاريخ… لكل هؤلاء، بوجودكم هنا اليوم، وكل يوم، أنتم تقولون بوضوح: “تاريخنا له مستقبل”! ومستقبلنا بإيدينا نصنعه، ونعرف كيف نصنعه!”
وأكد أن الحريرية الوطنية تأخذ مسافة وتأخذ استراحة محارب، لكنها لا تنكسر ولا تندثر، وأن الكثيرين ممن راهنوا على كسر الحريرية، قد انكسروا هم.
وقال: “من يراهن على إلغاء الحريرية اليوم، نقول له: “يللي جرب المجرب… كان عقله مخرب”! “خود عبرة، أو خود إجازة”!”
مشروع لبنان واحد:
وتابع: “نحن لا ننكسر، لأن مشروعنا، مشروع رفيق الحريري رؤية وإيماناً بأن لبنان ينهض مهما وقع. ومشروعنا يبقى طالما أنتم باقون ومتماسكون ليكون عندنا بلد لا يخجل من ماضيه ولا من حاضره، ولا يدفن فيه مستقبله”.
وقال: “هكذا علمنا رفيق الحريري، وهكذا سنبقى، لا نغير جلدنا ولا ننكر المعروف والجميل، مهما قست علينا الظروف وظلم ذوي القربى. لأننا نحن لا نبيع مواقف، والأهم لا نشتري مواقف ولا مناصب، لا بسوق السياسة ولا بسوق الحديد”.
وأضاف بصوت عالٍ: “اللبنانيون تعبوا، وصار من حقهم بعد سنوات طويلة، من الحروب والانقسامات والمحاور والمغاور، أن يكون لدينا بلد طبيعي. بلد فيه دستور واحد، وجيش واحد، وسلاح واحد، لأن لبنان واحد وبيبقى واحداً. لأن أحلام التقسيم سقطت بحكم الواقع والتاريخ والجغرافيا، وأوهام الضم والهيمنة حملوها أصحابها، وهربوا، في ليلة… كان فيها ضوء قمر!”
تحية الجنوب وطرابلس:
وجه الحريري تحية صادقة لأهل الجنوب، الذين يستحقون دولة تحميهم، وترعاهم، وتثبتهم بأرضهم، بأرضنا، بالتكافل والتضامن بين جميع اللبنانيين.
كما وجه تحية خاصة لطرابلس، وأكد أن ما سقط فيها ليس فقط مبنيين، بل انهارت في طرابلس كرامات كل المسؤولين بالدولة وخارج الدولة، وانهارت مصداقية السياسيين والأحزاب والقيادات ورجال الأعمال. وقال: “كلنا مقصرون بحق طرابلس، وكلنا مسؤولون عن مأساة التبانة، وما عادت تنفعنا بيانات التضامن ورمي المسؤولية على الدولة وحدها. طرابلس لديها كل شروط النجاح لتكون من أهم المدن على المتوسط، مدينة لها تاريخ، وتاريخها… إلو مستقبل!”
وبدون مواربة، قال بوضوح: “مشروعنا لبنان واحد، لبنان أولاً، لبنان الذي لا يعود ولا نسمح أن يعود إلى أي فتنة طائفية، أو اقتتال داخلي، وتاريخنا والثمن الذي دفعناه يشهد، وخصومنا صاروا يشهدون قبل الحلفاء!”
وذكر بأن رفيق الحريري كان المساهم الأكبر في وقف الحرب الأهلية، وكان عراب اتفاق الطائف الذي نؤكد دائماً، بالأمس واليوم وغداً، أنه الحل، ويجب أن يطبق كاملاً!
وقال: “نعم، منذ أن اتفق كل اللبنانيين وأنهوا الحرب، بفضل اتفاق الطائف، وتعهدوا تطبيقه، كل فريق سياسي يأخذ جانباً من هذا الاتفاق ويطالب به. والنتيجة: لا الطائف يتطبق ولا أزماتنا تنتهي”.
وأضاف: “نحن حين نقول الطائف كاملاً يعني: ليس فيه سلاح إلا بإيد الدولة، لا مركزية إدارية، إلغاء الطائفية السياسية، إنشاء مجلس الشيوخ، تطبيق اتفاق الهدنة بحذافيره، هذه كلها يجب أن تطبق، كاملة، وفوراً، لننتهي من أمراضنا وأزماتنا المزمنة كلها معاً!”
وكرر أن: “مشروعنا لبنان أولاً. لبنان واحد، عربي، سيد، حر، مستقل، ومشروعنا موقف عربي واحد، وتيار المستقبل لا يمكن إلا أن يكون كما كان رفيق الحريري، باني جسور بين الدول العربية وبين الإخوة العرب، ومن اختصاصه الجسور، لا يعرف أن يبني جدراناً، أو يقطع طرق!”
ولفت إلى أن الحريرية كانت دائماً وستبقى داعمة لكل تقارب عربي، وطارد لكل خلاف عربي، وأن من يخيط بمسلة الخلافات الخليجية والعربية، “رح تطلع سلتو فاضية”، وسيحرق يديه ورصيده.
ونبه إلى أننا نريد أفضل العلاقات مع كل الدول العربية، بدءاً من الجارة الأقرب سوريا، سوريا الجديدة، سوريا الحرة التي تخلصت من نظام التشبيح والإجرام، الذي فتك فيها وبلبنان ومد سمومه على العالم العربي.
ووجه التحية لسوريا الجديدة وشعبها، وتمنى التوفيق لكل جهود التوحيد والاستقرار وإعادة الإعمار التي يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع، وشد على يده ليكمل بنهج التوافق ولمّ الشمل، لأن سوريا تتسع للجميع، ولا تسير إلا بالجميع.
الالتزام بالانتخابات:
توقف الحريري عند الأسئلة المصيرية التي كان يرددها جميع اللبنانيين قبل الكلمة، وذكر: “منذ سنة، في الذكرى العشرين، قلت لكم أن تيار رفيق الحريري، تيار المستقبل، سيكون صوتكم في الاستحقاقات الوطنية. وأهم هذه الاستحقاقات، وأولها الانتخابات النيابية. الآن كل البلد لديه سؤالان: هل ستجري الانتخابات؟ وماذا سيفعل المستقبل؟ وأنا لدي جواب واحد: قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل!”
وقال: “لكني أعدكم، متى حصلت الانتخابات، أعدكم: سيسمعون أصواتنا، وسيعدون أصواتنا! وبانتخابات أو بلا انتخابات، أنا وإياكم على الحلوة والمرة، لا شيء يفرقنا، وبفضلكم، وبفضل وحدتنا لا شيء يستطيع أن يكسرنا”.