
في تحليل معمق للأوضاع الإقليمية، يرى البروفيسور أمتسيا برعام، الخبير الإسرائيلي المتخصص في الاستراتيجيات وشؤون الشرق الأوسط بجامعة حيفا، أن لبنان يمثل نقطة ارتكاز في المواجهة المحتملة مع إيران. ويعتقد أن أي اتفاق نووي بين واشنطن وطهران قد يترك الساحة اللبنانية عرضة لصراعات النفوذ، دون أن يعالج لب المشكلة.
في مقابلة مع صحيفة “معاريف”، أكد برعام أن هناك “أكثرية برلمانية واسعة” في لبنان تطالب بنزع سلاح حزب الله، لكنه يرى أن الضغط الدولي غير كاف لتحويل هذا الواقع السياسي إلى إجراءات ملموسة. وأشار إلى أن الحكومة اللبنانية، إذا توفرت الإرادة السياسية، يمكنها أن تسعى إلى إصدار قرار واضح بنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة باستثناء الجيش وقوات الأمن، مع دعم هذا القرار بقانون يحظى بأغلبية الثلثين في البرلمان، الأمر الذي سيؤدي إلى عزل الحزب سياسيًا وتقويض شرعيته في الداخل.
وأضاف أن رفض حزب الله لهذا المسار سيجعله يُصنف “تنظيمًا متمردًا”، مما سيضعف روايته بأنه يحمل السلاح للدفاع عن لبنان، خاصة في ظل اتهامات من خصومه بأنه مرتبط بإيران. واقترح اتخاذ إجراءات ضد البنية الاقتصادية للحزب، مثل فصل البنوك التابعة له عن البنك المركزي، وإغلاق شبكاته الخاصة، وحتى إعادة تفعيل أدوات استخباراتية لمراقبة مصالحه المالية في الخارج.
فيما يخص إيران، يعتقد برعام أن الإدارة الأمريكية تركز بشكل أساسي على تحقيق إنجاز في الملف النووي. وقال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحتاج إلى اتفاق “مكتوب وموقّع” يمكن تقديمه كإنجاز يتجاوز اتفاق عام 2015، مشيرًا إلى أن الاعتبارات الأمريكية ليست فقط استراتيجية، بل سياسية وإعلامية أيضًا.
لكنه حذر من أن أي اتفاق نووي محتمل قد لا يتضمن قضايا أخرى، مثل برنامج الصواريخ الإيراني أو دعم طهران لحلفائها في المنطقة. وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد تتجه نحو اتفاق نووي كبير، لكنها قد تتخلى عن مطالبها الصارمة بشأن الصواريخ و”الأذرع الإقليمية” والمعارضة الإيرانية، مما يعني – من وجهة نظر إسرائيلية – استمرار التهديدات الرئيسية.
ويرى برعام أن طهران قد تبدي مرونة في الملف النووي بالتحديد، لأن التنازلات فيه، على الرغم من أنها قد تؤثر على صورة النظام، لا تمس جوهر عقيدته الأمنية. لكنه أكد أن إيران “لن تتنازل بأي حال” عن منظومة الصواريخ أو دعم حزب الله والحوثيين والميليشيات العراقية وحتى حماس، لأن هذه الأدوات تمثل، كما وصفها، ركائز أساسية في استراتيجية الدفاع وتصدير النفوذ الإيراني، وأي تراجع عنها قد يهدد استقرار النظام نفسه.
وفيما يتعلق باحتمال التصعيد، يقدر برعام أن احتمال توجيه ضربة أمريكية محدودة لا يزال قائمًا بنسبة تزيد قليلًا عن 50%، معتبرًا أن التهديد العسكري جزء من آلية الضغط لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، لكنه قد يتحول إلى تنفيذ فعلي إذا لم تتقدم المفاوضات بسرعة وبشكل مباشر.
وأشار إلى أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق نووي فعال، فإن إسرائيل ستواجه وضعًا أمنيًا معقدًا، حيث قد يتراجع التهديد النووي المباشر، لكن خطر الصواريخ و”حزام النار” المحيط بها سيبقى قائمًا، مما يستلزم استثمارات أكبر في منظومات الدفاع وتعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة.
ولم يقتصر تحذير برعام على إيران، بل أشار أيضًا إلى تنامي نفوذ تركيا في المنطقة، معتبرًا أنه إذا تم تجريد إيران من قدراتها النووية، فقد تصبح أنقرة، على المدى البعيد، أكثر خطورة بسبب قوتها العسكرية وعلاقاتها الواسعة داخل حلف شمال الأطلسي وطموحاتها الإقليمية. ولفت إلى أن تركيا توسع وجودها السياسي والاقتصادي في سوريا والعراق، وتسعى إلى ترسيخ نفوذها في لبنان ومصر والأردن عبر شبكات تأثير طويلة الأمد.
واختتم برعام حديثه لـ”معاريف” بالتأكيد على أن التهديد الإيراني ووكلائه يمثل الخطر العاجل، لكن التحولات الإقليمية الأوسع، من لبنان إلى تركيا، تفرض على إسرائيل – على حد تعبيره – التفكير استراتيجيًا في المرحلة المقبلة، لأن من لا يستشرف التغيرات مبكرًا يجد نفسه لاحقًا في موقع رد الفعل لا الفعل.