مشهد غير مألوف: لقاء شيعي واسع خارج الاصطفاف

في لحظة لبنانية مفصلية، وبعد سنوات أنهكت فيها الحروب المتتالية الطائفة الشيعية واستُنزفت بيئاتها الاجتماعية والاقتصادية، وبقي فيها الصوت السياسي محصوراً بتمثيل واحد لا ينافسه صوت آخر، برزت من رحم التطورات الأخيرة مبادرة جديدة نجحت في فرض حضورها على المشهد العام، وقدّمت نفسها كمساحة مختلفة داخل البيئة الشيعية، لا من خارجها.

هذا الحضور تجلّى بوضوح في اللقاء الحواري الذي نظمته مجموعة “نحو الإنقاذ” في فندق “Small Ville” في منطقة المتحف نهار الأحد الماضي، بمشاركة أكثر من 500 شخص من مختلف المناطق اللبنانية، في مشهد غير مألوف منذ سنوات. اللقاء لم يكن نشاطاً عابراً، بل بدا كإعلان واضح عن ولادة حالة سياسية جديدة تسعى إلى الخروج من الإطار الضيق إلى الفضاء العام، يقودها المنسّق العام للمجموعة محمد بركات، بإمكانات ذاتية وجهد مباشر، ومن دون أي دعم سياسي أو مالي.

اللافت لم يكن العدد فقط، بل طبيعة الحضور. مشاركون من الجنوب والبقاع وبيروت والضاحية وجبل لبنان اجتمعوا في مكان واحد، ليؤكدوا أن الاعتراض داخل البيئة الشيعية لم يعد فردياً أو خجولاً، بل بات علنياً ومنظماً، ما منح اللقاء بعده السياسي وجعله محط اهتمام واسع في الإعلام والنقاشات العامة.

الخطاب الذي طُرح كان مباشراً وبسيطاً، تناول فكرة الدولة في مقابل غيابها، والسلام بدل الحروب المفتوحة، والشراكة الفعلية في القرار داخل الطائفة وخارجها. ولم يتخذ الطرح طابعاً صدامياً، بل عبّر عن وجع متراكم لدى شريحة شيعية واسعة عاشت الخوف والنزوح وتكرار الأزمات، من دون أن يُتاح لها التعبير عن رأي مختلف.

الأصداء التي تلت اللقاء أكدت أن ما جرى لم يُتعامل معه كنشاط عابر. الاهتمام كان واضحاً، لأن المشهد نفسه كان جديداً: قاعة ممتلئة، خطاب مختلف، ومحاولة جدية لكسر فكرة الصوت الواحد داخل الطائفة.

قد لا يكون هذا الحدث تحولاً نهائياً في المشهد السياسي، ولا بداية تغيير سريع في موازين القوى، إلا أن المؤكد أن “نحو الإنقاذ” نجحت في كسر حاجز الخوف، وفتحت باب النقاش داخل البيئة الشيعية، وأثبتت أن السياسة ليست حكراً على جهة واحدة أو خيار واحد.

ويبقى السؤال المطروح: هل تجد هذه المبادرة من يمدّ لها يد الدعم في الداخل اللبناني، أو أي غطاء سياسي يسمح لها بتحويل هذا الحضور الشعبي إلى مسار تمثيلي فعلي في الاستحقاقات المقبلة؟

“ليبانون ديبايت”