
:
في خضم مرحلة سياسية وقانونية بالغة الدقة، وسط تشابكات ملف النزوح السوري وتداعياته الأمنية والقضائية، أثار إقرار الحكومة اللبنانية لاتفاقية قضائية مع سوريا بشأن نقل المحكومين، جدلاً واسعاً حول مدى السيادة القضائية، ومفهوم العدالة، وحقوق الضحايا. وفي هذا الصدد، كان لافتاً الموقف الحادّ للمنسّق العام للحملة الوطنية لإعادة النازحين السوريين، النقيب مارون الخولي، الذي نبّه إلى خطورة هذه الاتفاقية بصيغتها الحالية، معتبراً أنها تمسّ جوهر المصلحة الوطنية اللبنانية وتثير أسئلة أساسية حول توازن الحقوق والواجبات بين الدول.
وفي سياق حديثه لـ ، رأى الخولي أن الاتفاقية القضائية المبرمة بين لبنان وسوريا لمعالجة وضع الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، وبالشكل الذي تمّ اعتماده، تعكس اختلالاً جلياً في مبدأ التوازن وتقدّم مصلحة الطرف الآخر على المصلحة الوطنية اللبنانية، بدلاً من أن توفر حماية حقيقية للسيادة القضائية والأمنية للدولة اللبنانية.
وأشار إلى أن نقل المحكومين، خاصةً أولئك المدانين بجرائم خطيرة مثل قتل مدنيين وعسكريين لبنانيين، لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري أو إنساني بمعزل عن الإطار السيادي الأوسع. فالأحكام الصادرة عن القضاء اللبناني صدرت باسم الشعب اللبناني، وأي إجراء يفرغ هذه الأحكام من محتواها عبر تسليم جماعي للمحكومين، حتى تحت مسمى “استكمال العقوبة”، من شأنه أن يمسّ بهيبة الدولة، وينتقص من مفهوم العدالة، ويضر بحقوق الضحايا وذويهم.
وتوقف الخولي عند ما وصفه بالثغرات الأساسية والخطيرة في مضمون الاتفاقية، لافتاً إلى أن توسيع نطاق النقل ليشمل من قضوا عشر سنوات في السجن، حتى في قضايا القتل، يشكل سابقة بالغة الخطورة، ويفتح الباب أمام إفلات غير مباشر من العقاب، خاصةً في ظل غياب أي ضمانات قانونية أو رقابية فعلية تكفل كيفية تنفيذ العقوبات داخل الأراضي السورية.
وفيما يتعلق بالحقوق الشخصية، اعتبر الخولي أن الإبقاء على الحقوق ذات الطابع المالي كشرط شكلي، في بلد يعاني أصلاً من ضعف قدرة المتضررين على استيفاء حقوقهم، لا يعدو كونه تبرئة سياسية مغلفة لا توفر حماية حقيقية لحقوق الضحايا ولا تضمن لهم أي إنصاف حقيقي.
كما أشار إلى أن إقرار التطبيق بأثر رجعي وضمن مهلة تنفيذ قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، يعكس بوضوح توجهاً نحو إغلاق الملف بسرعة لمصلحة طرف واحد، بدلاً من سلوك مسار تعاون قضائي متوازن يقوم على مبدأ تبادل المصالح واحترام السيادة المتبادلة.
وأكد الخولي أن أخطر ما في الاتفاقية يكمن في أنها تفرض على لبنان تنازلاً قضائياً وأمنياً كبيراً دون أي مقابل سيادي أو وطني واضح، معتبراً أن لبنان يملك، قبل المضي بأي اتفاق مماثل، حقاً مشروعاً وغير قابل للمساومة في ربطه بثلاثة عناوين أساسية:
أولاً: ترسيم واضح ونهائي للحدود البرية والبحرية بين لبنان وسوريا، بما يحفظ السيادة الوطنية ويضع حداً للفوضى الحدودية المزمنة.
ثانياً: إغلاق المعابر غير الشرعية ووقف تهريب البشر والبضائع، الذي يستنزف الاقتصاد اللبناني ويشكل تهديداً يومياً للأمن الوطني.
ثالثاً: وضع خطة رسمية، زمنية وملزمة، لإعادة النازحين السوريين إلى سوريا، باعتبار أن استمرار النزوح بات يشكل خطراً وجودياً اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً على لبنان، ولا سيما أن جوهر الاتفاقية يرتبط بمتهمين بجرائم ارتُكبت داخل الأراضي اللبنانية.
واختتم الخولي تصريحه بالتأكيد أن تنفيذ الاتفاقية بصيغتها الحالية، ودون تحقيق أي من المطالب السيادية اللبنانية، يعني عملياً تحويلها من اتفاق قضائي إلى خسارة وطنية صافية للبنان، ومكسب سياسي وأمني للجانب السوري. وأضاف: “لسنا ضد التعاون القضائي بين الدول، لكننا نرفض أن يكون لبنان الحلقة الأضعف، أو أن يُطلب منه دفع الأثمان وحده فيما تُهمَل قضاياه المصيرية”، داعياً الحكومة اللبنانية إلى إعادة النظر جذرياً بالاتفاقية وربط تنفيذها صراحةً بالمصالح اللبنانية العليا، لأن أي تسهيل لاتفاق صيغ لمصلحة طرف واحد، بحسب تعبيره، يُعدّ تفريطًا بالسيادة وبحقوق اللبنانيين، ولا يمكن القبول به تحت أي عنوان.