ماذا لو فاوض الهجري دمشق؟

جواد الصايغ – نداء الوطن

تمكّنت الحكومة السورية من تحقيق تقدّم واضح في شمال وشرق سوريا هذا الشهر، حيث سيطرت على محافظتي دير الزور والرقة، وأجزاء من أرياف محافظة الحسكة، بينما تراجع نفوذ “قسد” إلى المناطق ذات الغالبية الكردية بعدما كانت تسيطر على نحو ثلث مساحة البلاد. نجاح دمشق في توسيع رقعة سيطرتها على الجغرافيا السورية ومواردها، وانكفاء الكرد إلى مناطقهم، جعلا السلطة وأنصارها يصوّبون أنظارهم نحو الجنوب، حيث لا تزال محافظة السويداء خارجة عن سيطرتهم منذ سقوط نظام الأسد. وكما هو معلوم، فإن ظروف الشمال الشرقي مختلفة كلّيًا عن ظروف المنطقة الجنوبية، حيث يخفت النفوذ التركي لمصلحة التأثير الإسرائيلي.

بعد شهر تموز 2025 الذي شهد دخول قوات الرئيس أحمد الشرع إلى السويداء ثم انسحابها بعد المواجهات التي حصلت، والمجازر التي ارتكبت، والضربات الجوية الإسرائيلية التي وصلت حد استهداف القيادة السورية في دمشق، طالب كثيرون الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في سوريا الشيخ حكمت الهجري، بضرورة إعادة فتح قنوات التواصل والتفاوض مع دمشق، أسوة بما يفعله الكرد. المطالبون بالتفاوض، استندوا إلى مقولة شائعة في علم السياسة مفادها أن الجمود يخلق فراغًا، وأن هذا الفراغ لا بد أن يملأه أحد، ومن أجل الجلوس إلى المفاوضات قالوا: “تفاوضوا ولو حتى من أجل التفاوض”. واستند هذا الفريق في مطالبه إلى ضرورة القيام بما يقوم به الكرد، وعدم إقفال الأبواب، ووصل ببعضهم الأمر إلى حد التعبير عن الحسرة بالقول: “يا ليت لدينا مظلوم”، في إشارة إلى قائد “قسد” مظلوم عبدي، معتبرين أن وجود شخصية تفاوضية قوية كهذه كان سيقلب المعادلة. ورأوا يومها أن الشيخ الهجري قادر على فرض الشروط التي يريدها متى جلس إلى طاولة التفاوض.

على المقلب الآخر، كان للشيخ الهجري وفريقه قراءة مختلفة تمامًا للوقائع. فحتى يوم 13 تموز، لم يوفر الرئيس الروحي للدروز طريقًا إلّا وسلكه في سبيل التفاوض، ولم يُغلق بابًا يمكن أن يفتح نافذة حل. في اللقاء الأوّل الذي جمع وفدًا أرسله للقاء الشرع بعد أقلّ من 10 أيام على وصوله إلى قصر الشعب، كان جواب الرئيس الحالي واضحًا وصادمًا، مفاده أن لا أحد لديه خصوصية عندي. ورغم أن “هيئة تحرير الشام” حاولت الدخول خلسة ليل رأس السنة آنذاك إلى السويداء من دون تنسيق مع قادة المحافظة، إلّا أن التواصل لم ينقطع يومًا. كل ما طُرح من مطالب كان حوارًا وطنيًا حقيقيًا، ودستورًا مدنيًا، ودولة ديمقراطية، لكن الرد جاء بحوار فولكلوري انتهى قبل أن يبدأ، ودستور ديكتاتوري، لتترافق هذه السياسات مع مجازر في الساحل.

وحتى بعد أحداث صحنايا أواخر شهر نيسان 2025، جرى الاتفاق على انضمام شبان السويداء إلى جهاز الأمن العام ضمن مناطقهم، وباعتراف أحد رجال الشرع في الجنوب، سليمان عبد الباقي، فإن أحدًا لم يُطوّع فعليًا، فالمسؤول عن الملف الأمني في المحافظة آنذاك، أحمد الدالاتي، لم يرد على اتصالات عبد الباقي، بحسب قول الأخير في مقابلة تلفزيونية وتجاهله في مرات عدة. وفي حزيران، توجّه وفد يمثل السويداء إلى دمشق للتفاوض، وكانت المطالب في حدها الأدنى: فتح معبر اقتصادي للمحافظة أسوة ببقية المحافظات الحدودية، وأن يتولّى أبناء المدينة حفظ أمن محافظتهم ضمن الإدارة السورية، واستقدام مشاريع استثمارية، حتى إن أبناء المحافظة تخلّوا عن مطلب تسمية محافظ من أبنائها. ومع ذلك، لم يلاقِ هذا الوفد سوى آذانًا صمّاء. وخلال تلك الفترة، لم تُعر الإدارة أي اهتمام للشكاوى المتكرّرة من التصرّفات التي يقوم بها بعض البدو على طريق السويداء – دمشق، من سلب ونهب واعتداءات متكرّرة، وكأن أمن الطريق وأرواح الناس مسألة ثانوية.

في اليوم الأول للاشتباكات مع البدو، في 13 تموز، كان القرار المحلي واضحًا بوقف القتال وتبادل المخطوفين، إلّا أن الحكومة كان لها رأي آخر، ظنًا منها أن لديها ضوءًا أخضر لإخضاع السويداء بالقوة، فكان ما كان، ودُفعت الأمور إلى مسار دموي معروف النتائج. ومنذ تموز، وبعد الانتهاكات والمجازر، لم يعد النقاش حول التفاوض من عدمه قائمًا على عرض مطالب أو صياغة شروط. باتت هناك دماء، ومخطوفون، ومأساة. تغيّرت المعادلة جذريًا، ولم يعد التفاوض فعلًا سياسيًا مجرّدًا، بل صار سؤالًا أخلاقيًا وإنسانيًا. حتى اتفاقية أيلول التي وقعها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع المبعوث الأميركي توم برّاك ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، لم تلتزم بها السلطة. فلا تزال القوات متواجدة في القرى بالريفين الغربي والشمالي، ولم يُفرج عن المواطنين، ولا اعتراف بمخطوفين ومخطوفات، ما جعل الاتفاق حبرًا على ورق، شأنه شأن اتفاقات سابقة.

والسؤال الأهم: كيف يمكن للشيخ الهجري وللسويداء أن يفاوضا، ونحن رأينا بأمّ العين كيف كانت نهاية مسلسل تفاوض الكرد؟ حكومة الشرع تراجعت في لحظة التوقيع مع “قسد” بعدما كان قادة الأخيرة في دمشق، وجهّزت حملة عسكرية بدل الالتزام بما اتفق عليه. التجربة واضحة، والرسالة أوضح. دمشق، وهذه السلطة تحديدًا، لا تفاوض من أجل حلول، ولا من أجل إنهاء الأوضاع السيئة، بل تفاوض فقط على استسلام الطرف الآخر. ومن يقرأ الوقائع بتسلسلها الزمني يدرك أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الرغبة بالحوار من طرف السويداء، بل في غياب الشريك الجاد القادر على تحويل التفاوض إلى مسار إنقاذ، لا إلى فخ جديد.