
كشفت نيويورك تايمز، في ظلّ تصاعد التوتر الإقليمي، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تلقّى خلال الأيام الأخيرة سلسلة تقارير استخبارية وُصفت بـ«اللافتة»، تشير إلى أن موقع الحكومة الإيرانية بات الأضعف منذ إسقاط نظام الشاه عام 1979، ما يعيد سيناريو التصعيد، وصولاً إلى الخيار العسكري، إلى الواجهة.
وبحسب الصحيفة، نقلاً عن مسؤولين مطّلعين على هذه التقييمات، ترى أجهزة الاستخبارات الأميركية أن قبضة النظام الإيراني على الداخل تراجعت بشكل غير مسبوق، على خلفية موجة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في نهاية العام الماضي وبلغت ذروتها مطلع كانون الثاني، حتى في مناطق كانت تُعدّ تقليدياً من أبرز معاقل دعم المرشد الأعلى علي خامنئي.
ورغم انحسار وتيرة الاحتجاجات لاحقاً، تؤكد التقديرات الاستخبارية أن الحكومة الإيرانية لا تزال في وضع هش، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وتضخم متسارع، وتراجع واضح في القدرة على معالجة الضغوط المعيشية. وتشير التقارير إلى أن القمع العنيف الذي اعتمدته السلطات أسهم في تعميق الشرخ بينها وبين شرائح واسعة من المجتمع.
وفي هذا السياق، نقلت نيويورك تايمز عن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، قولها إن ترامب يتلقى «إحاطات استخبارية منتظمة حول التطورات العالمية»، مؤكدة أن متابعة الملف الإيراني تتم «بشكل يومي ودقيق»، وأن تجاهل هذه المعطيات سيكون إخلالاً بمسؤولياته كقائد أعلى للقوات المسلحة.
وتتزامن هذه المعطيات مع تعزيز عسكري أميركي لافت في المنطقة. فقد دخلت حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية في غرب المحيط الهندي، مرفقة بثلاث سفن حربية مجهّزة بصواريخ «توماهوك». ووفق مصادر عسكرية، تستطيع الحاملة، نظرياً، تنفيذ عمليات عسكرية خلال مهلة تتراوح بين 24 و48 ساعة في حال صدور قرار سياسي بذلك.
كذلك، أرسلت الولايات المتحدة سرباً إضافياً من مقاتلات F-15E، ونشرت منظومات دفاع جوي من طراز «باتريوت» و«ثاد» (THAAD)، تحسباً لأي رد إيراني محتمل يستهدف القوات الأميركية أو مصالحها. كما وُضعت قاذفات بعيدة المدى متمركزة داخل الولايات المتحدة في حالة تأهّب أعلى من المعتاد.
في المقابل، تشير الصحيفة إلى انقسام داخل إدارة ترامب حول جدوى توجيه ضربة عسكرية لإيران، وخصوصاً إذا كانت محدودة أو «رمزية»، وسط مخاوف من الانزلاق إلى مواجهة أوسع وغير محسوبة. وتذكّر بأن ترامب لوّح سابقاً بإمكانية الضربة، قبل أن يتراجع مؤقتاً عقب إعلان طهران تعليق تنفيذ أحكام إعدام بحق عدد من المحتجين.
كما نقلت نيويورك تايمز عن مسؤول أميركي رفيع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد طلب من ترامب في مرحلة سابقة إرجاء أي عمل عسكري ضد إيران، في ظل حسابات إقليمية وأمنية دقيقة.
وفي موازاة ذلك، صعّد ترامب لهجته تجاه البرنامج النووي الإيراني، محذّراً من استمرار مسار التخصيب، فيما قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، بعد محادثات مع ترامب، إن «الهدف هو إنهاء النظام»، معتبراً أن وقف القمع مؤقتاً لا يغيّر جوهر المشكلة.
ميدانياً، كثّف كبار قادة البنتاغون مشاوراتهم مع حلفاء إقليميين. فقد أجرى قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، جولة شملت سوريا والعراق وإسرائيل، ناقش خلالها تداعيات أي تصعيد محتمل مع إيران، إضافة إلى أوضاع القوات الأميركية ومراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا، في ظل مخاوف من فرار عناصر تنظيم داعش.
وبحسب مسؤولين أميركيين، حملت واشنطن رسائل واضحة إلى بغداد مفادها أن أي هجمات تنفذها فصائل موالية لإيران ضد القوات الأميركية ستُقابل برد مباشر. كما شملت الاتصالات السعودية وقطر، إلى جانب تنسيق وثيق مع إسرائيل، في إطار تقييم شامل لتداعيات أي خطوة عسكرية محتملة.
وتخلص نيويورك تايمز إلى أن تزامن هشاشة الوضع الداخلي الإيراني مع الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق يعيد سيناريو المواجهة بقوة إلى الواجهة، ولو أن قرار الذهاب إلى ضربة عسكرية يبقى، حتى الآن، رهينة الحسابات السياسية والاستراتيجية في البيت الأبيض.