إيران: ترسانة الصواريخ الباليستية المتبقية وقدراتها المحتملة

في تحليل معمق لما يُعرف بـ “الذراع الطويلة” لإيران، استعرض نِتسان سَدان، الكاتب العسكري الإسرائيلي، في تقرير له، ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية، مبيناً أهم العائلات الصاروخية التي طورتها طهران، وموضحاً السمات المميزة لكل فئة من حيث المدى والسرعة والدقة وآليات الإطلاق، بالإضافة إلى طبيعة المخاطر التي قد تنجم عن مواجهة عسكرية أوسع.

ويؤكد التقرير أن إيران طورت خمس عائلات رئيسية من الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى إسرائيل، وأن فهم الاختلافات بينها أمر ضروري لتقييم مستوى التهديد الحقيقي، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من القدرات التي يتم الترويج لها إعلامياً قد يظل ضمن الإطار “النظري” أكثر من كونه واقعاً عملياً.

العائلة الأولى: “شهاب” – الأكثر انتشاراً… ولكن بصمتها الاستخبارية واضحة

تعود جذور عائلة “شهاب” (التي تعني “نيزك” بالفارسية) إلى الحرب العراقية الإيرانية، عندما أدرك الإيرانيون أنهم يفتقرون إلى رد فعال على موجات الصواريخ الباليستية التي أطلقها صدام حسين.

وفقاً للتقرير، بدأت إيران بشراء صواريخ “سكاد” من سوريا وليبيا عام 1985، ثم من كوريا الشمالية لاحقاً، قبل أن تقوم بتفكيكها بالكامل وإعادة هندستها محلياً. وبحلول عام 1988، تمكنت من بناء قدرة إنتاج محلية، وواصلت تحسين هذه الصواريخ تدريجياً حتى يومنا هذا.

ويشير الكاتب إلى أن صواريخ “شهاب” هي الأكثر شيوعاً في الترسانة الإيرانية من بين الصواريخ القادرة على الوصول إلى إسرائيل، إلا أن معظمها يعتمد على الوقود السائل، مما يعني أنها تحتاج إلى وقت للتزود بالوقود قبل الإطلاق، وهو ما يخلق تأخيراً لوجستياً وبصمة استخبارية يصعب إخفاؤها ويحد من عنصر المفاجأة.

وتشمل هذه العائلة نماذج مثل “شهاب 3″ القديمة، و”عماد” الذي وصفته إيران بأنه دقيق للغاية، و”قدر 110″ ثنائي المراحل، بالإضافة إلى “قيام” الذي يمتلك مدى يتجاوز القدرة على الوصول إلى إسرائيل حتى لو أُطلق من غرب إيران.

ويلفت التقرير إلى أن منصات إطلاق صواريخ هذه العائلة ضخمة وتعتمد على شاحنات طويلة جداً، مما يجعل إخفاءها أكثر صعوبة مقارنة بطرازات أخرى، حيث تحتاج إلى مواكب حماية وفرق دعم، وهو ما يزيد من مستوى الرصد قبل الإطلاق.

ويعتبر “عماد” و”قدر” الأكثر أهمية في هذه المجموعة، بمدى يصل إلى 2000 كلم ورأس حربي يتراوح بين نصف طن وطن. كما قد تتضمن بعض الإصدارات رؤوساً عنقودية تحمل ما بين 12 و 36 ذخيرة صغيرة تُطلق في المرحلة النهائية من السقوط.

وعلى الرغم من امتلاك نماذج متطورة من هذه العائلة لمكونات ملاحة عبر الأقمار الصناعية لتحسين الدقة، يشكك التقرير في فعالية ذلك ميدانياً، مشيراً إلى أن العديد من الصواريخ التي لم يتم اعتراضها لم تصب أهدافها بدقة كبيرة.

ويضيف الكاتب أن مسار طيران صواريخ “شهاب” غالباً ما يكون مرتفعاً (قد يصل إلى 500 كلم)، مما يسهل اكتشافها واعتراضها نسبياً، معتبراً أنها قد تُستخدم أساساً لإحداث “ضغط عددي” على الدفاعات الجوية من خلال إطلاق كميات كبيرة في وقت قصير.

العائلة الثانية: “فتح” – الأخطر بسبب الوقود الصلب والرؤوس المناورة

يرى التقرير أن عائلة “فتح” (أي “الفاتح” بالفارسية) هي الأكثر تنوعاً داخل ترسانة إيران، وأنها من أكثر العائلات حساسية من الناحية التكتيكية.

وتعود بداياتها أيضاً إلى مرحلة الحرب العراقية الإيرانية، عندما أعاد مهندسون إيرانيون هندسة صاروخ مدفعي سوفيتي يُعرف باسم 9K52 “لونا”، قبل أن تتحول لاحقاً إلى نسخة أكثر دقة وموثوقية سُمّيت “زلزال 2” عام 1996، ثم تطورت إلى صواريخ باليستية فعلية مثل “فتح 110” الذي دخل الخدمة عام 2002 ويستفيد من الملاحة عبر الأقمار الصناعية لتحقيق إصابة أفضل ضمن مدى 300 كلم.

ويبرز الفارق الأهم في هذه العائلة بأنها تعتمد في العديد من نماذجها على الوقود الصلب، مما يمنحها قدرة إطلاق شبه فورية دون الحاجة للتزود بالوقود، ويجعل نقلها وإخفاءها أسهل مقارنة بعائلة “شهاب”.

ووفقاً للتقرير، توسعت هذه العائلة لتشمل نماذج متعددة، أبرزها:

“خليج فارس” المضاد للسفن برأس توجيه راداري

“فتح 360” بمدى 120 كلم عبر منصة إطلاق بستة أنابيب

“فتح 313” بمدى يصل إلى 500 كلم

“فتح مبين” المزود بكاميرا في المقدمة لتوجيه بصري يصعب التشويش عليه

“أبابيل” المصغر المناسب للاستخدام البحري

كما لا يُستبعد تطوير نسخة تُطلق من الجو.

لكن الأخطر في هذه العائلة، وفق الكاتب، هو وجود 3 نماذج تمتلك محركات أقوى ورؤوساً حربية “مناورة” قادرة على تعديل المسار خلال الهبوط النهائي، مما يصعب حساب المسار واعتراضه.

“خيبر شكن”

يقدر التقرير سرعة هذا الصاروخ بـ “ماخ 8 إلى 9″، ويبلغ مداه 1450 كلم برأس حربي يزن نحو 550 كلغ، مما يعني أن ضرب إسرائيل يتطلب إطلاقه من غرب إيران، ما قد يحد من مرونة الاستخدام.

ويتميز “خيبر شكن” بمنصة إطلاق أصغر بكثير من منصات “شهاب”، إذ يمكن لشاحنة واحدة حمل صاروخين. كما توجد نسخة يمكن إخفاؤها داخل شاحنة تبدو “عادية” مغطاة بقماش، مما يزيد احتمالات استخدامه من مناطق مأهولة أو مخفية.

“حاج قاسم”

وهو أكبر وأثقل ويتألف من مرحلتين، مما يسمح بالحفاظ على التسارع فترة أطول والوصول إلى سرعة تقارب “ماخ 13″، مع رأس حربي مناور يزن نحو 500 كلغ.

وتدعي إيران أنه مقاوم للتشويش، إلا أن التقرير يشير إلى أن طهران تواجه صعوبة في تصنيع محركات الوقود الصلب المعقدة بعد الأضرار التي لحقت ببنى الإنتاج خلال السنة الأخيرة، مما يرجح أن عدد هذا النوع محدود.

“فتح 1”

وقد روّجت له إيران على أنه “غير قابل للاعتراض”، بحجة أنه يطلق رأساً حربياً بمحرك مستقل ويُناور خلال الهبوط، لكن الكاتب يقلل من قيمة هذه الدعاية، مؤكداً أن معظم الصواريخ الباليستية بطبيعتها “فوق صوتية”، وأن هذا النوع جرى اعتراضه أيضاً، خصوصاً بعدما استخدمه الحوثيون خلال العام الماضي.

ويضيف التقرير أن “فتح 1” يملك رأساً حربياً أخف نسبياً (قرابة 350 كلغ) لأن الرأس يحتاج إلى وقود خاص، كما يسلك مساراً أقل ارتفاعاً بنحو 135 كلم، مما قد يجعله يُكتشف متأخراً قليلاً.

العائلة الثالثة: “خرمشهر” – صواريخ ثقيلة برؤوس ضخمة ومخاوف من تعدد الرؤوس

أما العائلة الثالثة فهي “خرمشهر”، نسبة إلى مدينة في غرب إيران شهدت معارك كبيرة خلال الحرب مع العراق، وهي صواريخ ثقيلة صُممت لحمل رؤوس ضخمة قد تصل إلى 1.8 طن.

ويوضح التقرير أنها مبنية على أساس صواريخ كورية شمالية من طراز “هواسونغ 10″، والتي تعود جذورها إلى تصميم روسي مخصص أصلاً للإطلاق من الغواصات، وهو ما يفسر شكلها القصير والسميك الذي يسمح بحمل كميات كبيرة من الوقود.

ويشير الكاتب إلى أن قطر صاروخ “خرمشهر” يصل إلى نحو 1.5 متر، مقارنة بنحو متر في “عماد” و”قدر”، وبنحو 76 سم فقط في “فتح”، مما يمنحه قدرة على حمل رؤوس ضخمة أو رؤوس متعددة أو ذخائر عنقودية كبيرة تصل إلى 80 قنبلة صغيرة.

ويلفت التقرير إلى أن واحداً على الأقل من هذه الرؤوس العنقودية استُخدم ميدانياً لكنه لم يحدث أضراراً كبيرة.

أما التهديد الأخطر، فهو احتمال امتلاك الصاروخ لرؤوس متفجرة متعددة مستقلة (MIRV) تنفصل في الفضاء وتتحول إلى عدة أهداف يجب اعتراضها منفردة، لكن التقرير يؤكد أن هذه القدرة لم تُعرض بشكل واضح، ولا يُعرف مدى جاهزيتها الفعلية.

ويعتبر الكاتب أن أخطر نموذج في هذه العائلة هو “خرمشهر 4” المعروف أيضاً باسم “خيبر”، إذ يمكنه حمل رأس حربي يزن 1.5 طن لمسافة 2000 كلم، مع إمكانية إجراء تعديلات مسار في مرحلة الطيران خارج الغلاف الجوي لتحسين الدقة.

كما ينقل التقرير عن الإعلام الإيراني أن الصاروخ قد يحلق على ارتفاع منخفض جداً يقارب 126 كلم، لكنه يشكك في صحة هذه المعلومة ويرجح أنها قد تكون محاولة تضليل لتقليل إمكانية توقع مساره.

ويُلاحظ أن “خرمشهر” يعمل بالوقود السائل، مما يمنحه قدرة إعداد أسرع نسبياً مقارنة ببعض الصواريخ السائلة الأخرى، لكنه يبقى سلاحاً معقداً وباهظاً، ويرجّح الكاتب أن عدد هذه الصواريخ محدود، مع منصات إطلاق كبيرة وسهلة الرصد.

العائلة الرابعة: “سجيل” – إنتاج إيراني خالص ومدى يتجاوز المنطقة

العائلة الرابعة هي “سجيل” (أي “الكبريت”)، ويصفها التقرير بأنها الصواريخ الإيرانية “الأكثر أصالة”، كونها ليست مجرد تطوير لنموذج أجنبي بل إنتاج محلي كامل.

وتُعد “سجيل” صواريخ ضخمة ثنائية المراحل تعتمد على الوقود الصلب، وتُصنّف ضمن أطول الصواريخ مدى لدى إيران، إذ تشير التقديرات إلى قدرتها على الوصول إلى 2500 كلم وأكثر، أي أبعد من إسرائيل وصولاً إلى عمق أوروبا.

ويتراوح وزن رؤوسها الحربية بين نصف طن و1.5 طن، لكن مثل باقي الصواريخ الثقيلة، فهي مكلفة ونادرة، ومنصات إطلاقها ضخمة، كما يرجح التقرير أن مسارها مرتفع جداً، مما يسهل رصدها واعتراضها.

العائلة الخامسة: “فتح 2” – التهديد الأحدث: صاروخ انزلاقي متحرك بسرعة هائلة

ويختم التقرير بعائلة صواريخ “الفرط صوتية المناورة”، والتي تضم حالياً نموذجاً واحداً يُعرف باسم “فتح 2″، ويعتبره الكاتب الأكثر إثارة للاهتمام.

ويصفه بأنه قريب من “فتح 1” من حيث الوزن والخفة واعتماد الوقود الصلب ومنصة الإطلاق السريعة، لكن الفرق الأساسي يكمن في شكل الرأس الحربي الذي يشبه طائرة صغيرة، مع زعانف كبيرة وتصميم مسطح يسمح بتوليد قوة رفع خلال الطيران.

ووفقاً للتقرير، ينطلق “فتح 2” بزاوية حادة نحو الأعلى ثم يهبط بسرعة قبل أن يطلق الرأس الذي يبدأ مرحلة “التحليق الانزلاقي” بشكل ديناميكي في الفضاء، عبر خفض المقدمة لاكتساب سرعة ثم إعادة الارتفاع، وهي آلية تمنحه قدرة مناورة أكبر من التعرجات التقليدية، مع الحفاظ على طاقة عالية حتى الوصول إلى الهدف من مدى قد يصل إلى 1800 كلم.

ويحذر الكاتب من أن هذا النوع، بسبب سرعته ومساره المنخفض وقدرته على المناورة، قد يشكل التحدي الأكبر لمنظومات الدفاع مقارنة بالنماذج التقليدية.

ورغم ذلك، يشير التقرير إلى أن الدفاعات الإسرائيلية ما زالت تمتلك قدرات اعتراض متقدمة، كما يذكر أن تقارير إيرانية تحدثت عن أن الرأس الحربي قد يستخدم وقوداً سائلاً، مما يعني أنه يحتاج أيضاً إلى عملية تزوّد بالوقود تعقّد الإطلاق.

بين النظرية والواقع: التهديد قائم… وإيران تجيد “الترقيع” بعد الضربات

ويشدد الكاتب في خاتمته على أن كل ما سبق يبقى ضمن إطار قدرات “معلنة ونظرية”، خصوصاً أن إيران تعرّضت خلال الأشهر التي تلت عملية “مع كلبياء” لأضرار كبيرة في منشآت إنتاج وتطوير الصواريخ، مما أجبرها على تصنيع صواريخ بسرعة وبظروف غير مثالية، وباستخدام تجهيزات صينية بديلة عن معدات محلية كانت مصممة خصيصاً للصناعة الإيرانية.

لكن في المقابل، يحذر التقرير من الاستهانة، معتبراً أن “الترقيع” والإبداع تحت الضغط من أقدم مهارات إيران، مستشهداً بقدرتها في السابق على إعادة هندسة مقاتلات F-14 خلال الحظر الأميركي، ونسخ طائرات مسيّرة متقدمة، وحتى تحليل صواريخ “سبايك” الإسرائيلية التي حصلت عليها عبر لبنان.

ولهذا، يعتبر الكاتب أن الخطر لا يرتبط فقط بمدى دقة الصاروخ أو حداثته، لأن “حتى الصاروخ الرديء قادر على الوصول والانفجار”، مؤكداً أن نسب الاعتراض العالية لا تعني انعدام الخطر، إذ لا يوجد “دفاع جوي كامل” في أي حرب.