السلاح بدلًا من التنمية: هل جانَبَ "قاسم" الصواب في خطابه لقاعدته؟

يرى مراقبون أن الأمين العام لـ”حزب الله”، الشيخ نعيم قاسم، يرتكب خطأً عندما يعتقد أن ظهوره المتكرر على شاشات التلفزة أمام جمهوره سيؤدي إلى تعزيز قاعدته الشعبية وترسيخ دعمهم للاحتفاظ بالسلاح، خاصةً دون تقديم التزامات واضحة بإعادة بناء القرى المدمرة في جنوب لبنان. فالسلاح، في نظر هؤلاء، لم يعد قوة، ولن يغير الواقع السياسي الذي يفرض على الحزب الانخراط في مشروع الدولة والامتثال لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة.

وفي هذا الإطار، ذكر الصحافي محمد شقير في مقال له بجريدة “الشرق الأوسط” أن المراقبين “يشيرون إلى أن قاسم رفع سقوفه السياسية مستخدماً تعابير لا تنسجم مع القاموس السياسي، وكان في غنى عنها، خصوصاً أن مطلقي هذه الملاحظات لا يُصنَّفون في خانة خصومه. فاعتماد لغة أقرب إلى التهديد، بهدف خفض الضغط الداعي إلى نزع السلاح، لا يوفّر الطمأنينة لبيئته التي تنتظر ضمانات بإعادة إعمار بلداتها المدمّرة، واستمرار الحزب في تلبية احتياجاتها إلى حين انطلاق ورشة الإعمار، ولا سيما لعشرات آلاف العائلات النازحة من القرى الحدودية التي تحولت إلى مناطق معزولة بالنار”.

ويؤكد هؤلاء المراقبون أن قاسم يعلم جيداً أن إعادة الإعمار لن تتحقق إلا من خلال حصر السلاح بيد الدولة، وذلك عبر الموافقة على الخطة التي وضعتها قيادة الجيش اللبناني وتبنتها الحكومة لتنفيذها على مراحل، مع الاستعداد للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تمتد من شمال نهر الليطاني إلى نهر الأولي.

كما يرى آخرون أن قاسم لم يكن بحاجة للرد على رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون، في معرض انتقاده الشديد لوزير الخارجية يوسف رجّي، بل كان الأجدر به تهيئة الأجواء لإنجاح الحوار الدائر، والذي يقوده رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة”، النائب محمد رعد. ويشير مصدر وزاري لـ “الشرق الأوسط” إلى أن هذا الحوار يمر حالياً بفترة توقف عن التواصل المباشر، ويُستعاض عنه باجتماعات يتولاها المستشار الرئاسي العميد المتقاعد أندريه رحال، أحياناً مع رعد، وفي الغالب مع الفريق المكلف بملف الحوار.

ويرى المصدر الوزاري أنه لا داعي لرفع سقف المطالب بذريعة مواجهة الهجوم السياسي على الحزب بسبب احتفاظه بالسلاح، بينما يشارك في الحكومة على أساس دعمه للبيان الوزاري الذي ينص على احتكار الدولة للسلاح. ويتساءل المصدر عما إذا كان اختيار هذا التوقيت مرتبطاً بتصاعد الضغوط الأميركية على إيران، في محاولة لإرسال رسالة مفادها أن استهداف رأس محور الممانعة لا يبرر الاستقواء على الحزب.

ويلفت المصدر إلى أن خطاب قاسم الأخير بدا وكأنه رد مباشر على رئيس الجمهورية، وبالتالي على رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يُنظر إليه على أنه الأكثر تشدداً في مطالبته بتسليم السلاح. كما يتساءل عن سبب تجاهل قاسم للقاءات العربية والدولية التي جمعت الرؤساء الثلاثة، وعن الرسالة التي سيوجهها إلى جمهوره في ظل ربط المجتمع الدولي المساعدات لإعادة إعمار الجنوب بموافقته على حصر السلاح بيد الدولة.

ويضيف المصدر أن قيادة الحزب تدرك أن سلاحه لم يعد له دور في تحرير الجنوب بعد استنفاد أغراضه العسكرية، وأن الخيار الدبلوماسي هو وحده الذي يفتح الباب أمام التفاوض لإلزام إسرائيل، بضغط أميركي، بالتوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية.

ويؤكد المصدر أنه لا يوجد ما يمنع قاسم من دعم رئيس مجلس النواب، نبيه بري، سياسياً، والذي يطالب الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، في إطار تلازم الخطوات، مع انتقاده المستمر للجنة «الميكانيزم» المشرفة على تطبيق الاتفاق، دون أن يعارض حصرية السلاح، بل يدعم خطاب القسم والبيان الوزاري.

ويحذر المصدر من رهان خاطئ للحزب على استبدال السلاح بثمن سياسي، معتبراً أن هذا الثمن لن يُمنح إلا للدولة لتمكينها من بسط سيطرتها على كامل أراضيها تنفيذاً للقرار 1701، وتأمين المساعدات اللازمة لإخراج لبنان من أزمته الاقتصادية والمالية.

كما يسجل المصدر ملاحظات على موقف قاسم من القرار 1701، متسائلاً عن كيفية تطبيقه ومصير النقاط الحدودية المتنازع عليها، وملف ترسيم الحدود وفق اتفاقية الهدنة لعام 1949، وتأثير ذلك على قضية مزارع شبعا.

وفي السياق ذاته، يتساءل مصدر نيابي مؤيد لحصر السلاح عما إذا كان الشريك الآخر في “الثنائي الشيعي”، أي حركة “أمل”، يشارك قاسم في رفع سقف المطالب، أم أنه يعزف منفرداً في غياب أي موقف مماثل لكتلة “التنمية والتحرير”. ويشير إلى أن “الثنائي” يتعايش تحت سقف واحد مع اختلاف وجهات النظر حول ملف الجنوب، مع اتفاقهما على مطالبة الولايات المتحدة بإلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها في اتفاق وقف الأعمال العدائية.

ويختتم المصدر بالإشارة إلى وجود اختلاف في طريقة التعامل مع رئيس الجمهورية، حيث يؤكد بري على قوة علاقته بعون، بينما اختار الحزب الرد على موقفه بشأن السلاح. ومع ذلك، يحرص بري على احتضان الحزب واستيعابه لمنع تجاوز الخطوط الحمر، رغم تلويح أوساطه بإمكان التصعيد السياسي، مع استبعاد الذهاب إلى أبعد من ذلك.