تفاصيل مثيرة عن قرار ترامب بشأن إيران… لماذا اختار التريّث؟

كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية في تقرير موسّع كواليس الساعات الأكثر توتّرًا في البيت الأبيض، حين كان قرار توجيه ضربة عسكرية ضد إيران شبه محسوم، قبل أن يتبدّل المشهد فجأة ويُعلَّق الخيار العسكري في اللحظة الأخيرة.

وبحسب الصحيفة، حتى ساعات متأخرة من صباح يوم الأربعاء الماضي، كان معظم المسؤولين الأميركيين وقادة الشرق الأوسط على قناعة بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بات على وشك إصدار أمر بشن غارات جوية على إيران، في ظل تصاعد الاحتجاجات الداخلية في طهران وتهديدات ترامب العلنية للنظام الإيراني.

«المساعدة في الطريق»… رسالة أوحت بالحرب

تعزّز هذا الانطباع بعد تصريح ترامب صباح الثلاثاء، حين وجّه رسالة مباشرة إلى المتظاهرين الإيرانيين قال فيها إن “المساعدة في طريقها إليكم”، داعيًا إياهم إلى “السيطرة على مؤسسات النظام”، في خطوة فسّرها كثيرون على أنها تمهيد لضربة عسكرية وشيكة.

في تلك الأجواء، كان كبار مستشاري الأمن القومي في إدارة ترامب يستعدون لليلة طويلة، بانتظار مصادقة الرئيس على أحد الخيارات العسكرية المعروضة عليه، وفق توصيف الصحيفة.

تحرّكات عسكرية واستنفار إقليمي

ميدانيًا، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) دخول المدمّرة USS Roosevelt المزوّدة بصواريخ موجّهة إلى الخليج العربي. ونقلت الصحيفة عن مصدر مطّلع أنّ حلفاء الولايات المتحدة أُبلغوا باحتمال توجيه ضربة أميركية، فيما وُضعت السفن والطائرات الأميركية في حالة تأهّب قصوى.

كل المؤشرات، وفق التقرير، كانت توحي بأن القرار بات مسألة ساعات لا أكثر.

لحظة التحوّل: إلغاء إعدامات جماعية

لكن المشهد انقلب بشكل مفاجئ يوم الأربعاء. فقد تلقّى ترامب معلومات عبر مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف تفيد بأن السلطات الإيرانية ألغت تنفيذ أحكام إعدام كانت مقرّرة بحق نحو 800 شخص من المتظاهرين والمعتقلين، بحسب ما نقلته «واشنطن بوست» عن مسؤول أميركي رفيع.

بعدها مباشرة، خرج ترامب ليقول للصحافيين: «سنراقب الوضع وننتظر». ولاحقًا، أكّدت الاستخبارات الأميركية يوم الخميس أنّ عمليات الإعدام لم تُنفّذ فعلًا.

ضغوط داخلية وخارجية أربكت القرار

استنادًا إلى مقابلات أجرتها الصحيفة مع أكثر من عشرة مسؤولين أميركيين وشرق أوسطيين حاليين وسابقين، فإن التراجع السريع في موقف ترامب أربك بعض مستشاريه وأثار غضب أطراف في المعارضة الإيرانية، لكنه جاء نتيجة ضغوط داخلية وخارجية مكثّفة.

فبحسب المصادر، اصطدم ترامب بحقيقة صعبة: استحالة التنبؤ بتداعيات زعزعة استقرار دولة جديدة في الشرق الأوسط، وحدود القوة العسكرية الأميركية في المنطقة.

مخاوف البنتاغون وإسرائيل

وأشارت الصحيفة إلى أن مسؤولين في البنتاغون عبّروا عن قلقهم من أن حجم القوات الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط لا يكفي لمواجهة ردّ إيراني واسع. ويبلغ عدد الجنود الأميركيين في المنطقة نحو 30 ألف جندي، ما يجعلهم عرضة لأي تصعيد كبير.

كما نقلت «واشنطن بوست» أن إسرائيل شاركت هذا القلق، خصوصًا بعد استنزافها كميات ضخمة من صواريخها الاعتراضية خلال حرب الـ12 يومًا مع إيران في حزيران الماضي، ما أثار مخاوف حقيقية بشأن قدرتها على التصدّي لهجوم إيراني جديد.

العرب ضغطوا… والدبلوماسية حضرت

في موازاة ذلك، نقلت الصحيفة عن دبلوماسي عربي رفيع ومسؤول خليجي أن حلفاء واشنطن الرئيسيين في المنطقة، وفي مقدّمهم السعودية وقطر ومصر، مارسوا ضغوطًا كبيرة على إدارة ترامب داعين إلى ضبط النفس وتغليب المسار الدبلوماسي، خشية انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

الاقتصاد… العامل الحاسم

وترجّح «واشنطن بوست» أن العامل الأهم في حسابات ترامب كان إدراكه أن أي ضربة ضد إيران ستكون معقّدة للغاية، وقد تحمل تداعيات اقتصادية خطيرة، من بينها اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وإغلاق محتمل لمضيق هرمز، فضلًا عن خطر توسيع الحرب وتهديد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

الخيارات لم تُغلق بعد

ورغم تراجع الخيار العسكري في المرحلة الحالية، نقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أن ترامب ومستشاريه الكبار لا يزالون يُبقون كل الخيارات مفتوحة، وقد يكونون بصدد كسب الوقت ريثما تصل تعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة.

«لا أحد يعلم قرار ترامب»

في هذا السياق، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، في بيان رسمي، إن “لا أحد يعلم ما الذي سيقرره الرئيس ترامب بشأن إيران”، مؤكدة أنه يبقي جميع الخيارات مفتوحة وسيتخذ القرار الذي يراه في مصلحة الولايات المتحدة والعالم.

وكشفت الصحيفة أن ترامب تلقّى نصائح متناقضة داخل إدارته، إذ أيّد نائبه جيه دي فانس الخيار العسكري، فيما دعا مستشارون آخرون، بينهم ويتكوف، إلى الحذر، آخذين في الاعتبار مخاوف الحلفاء العرب وتجنّب إشعال جولة جديدة من العنف.

قرار مؤجّل لا ملغى

واكتملت صورة الموقف الأميركي عندما صرّح ترامب صباح الجمعة، قبل توجّهه إلى منتجعه في مارالاغو بفلوريدا، بأنه لا توجد ضربات وشيكة على إيران، مبرّرًا ذلك بتطورات “مهمّة” داخل إيران، وعلى رأسها إلغاء مئات أحكام الإعدام.

ومع ذلك، تكشف مصادر «واشنطن بوست» أن ترامب قد يوافق على تنفيذ ضربات ضد إيران خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة، بعد تمركز القوات الأميركية الإضافية في المنطقة، بما قد يبدّد مخاوف إسرائيل من ردّ إيراني واسع.