خلافات ومسؤوليات متبادلة حول مشروع توسيع خزانات كورال

كتبت “النهار”: لم يكد اللبنانيون يتماثلون للشفاء من صدمة انفجار مرفأ بيروت عام 2020، الذي أزهق أرواح الشباب وأصاب الأطفال، وأشاع الذعر في العالم بأسره، وبث الرعب في قلوب اللبنانيين، إلا أن عقول المسؤولين بقيت في سبات عميق. وها نحن اليوم أمام مشهد يتكرر، حيث تعيد الدولة إنتاج أخطائها القاتلة، وكأن الدماء التي سالت لم تكن كافية، وكأن الفساد والإهمال لم يبلغا بعد مداهما الأقصى.

ففي منطقة برج حمود، التي تعتبر من أكثر المناطق اللبنانية اكتظاظًا بالسكان والأنشطة التجارية، يشتد الجدل حول منشآت وخزانات الغاز والمواد النفطية التابعة لشركة “كورال”، وسط اتهامات بتوسعها المستمر منذ سنوات دون التقيد بالمعايير الدولية للسلامة العامة، ودون شفافية فيما يتعلق بالتراخيص والموافقات القانونية، الأمر الذي يثير مخاوف حقيقية من خطر محدق يهدد حياة الآلاف من السكان.

وفي هذا السياق، قام المحامي علي عباس بإرسال طلبات للحصول على المعلومات إلى كل من: وزير الطاقة والمياه، وزير الأشغال العامة والنقل، وزيرة البيئة، وزير الصناعة، محافظ جبل لبنان، المجلس الأعلى للتنظيم المدني، وبلدية برج حمود، وذلك بهدف الاطلاع على الوثائق التي توضح الأسس التي يستند إليها هذا التوسع وبناء الخزانات الجديدة.

ويصف عباس الوضع بأنه “قنبلة موقوتة جديدة أمام بيروت”، مشيراً إلى أن جذور هذه القضية تعود إلى عام 2013، وهي تتعلق بشكل مباشر بسلامة المواطنين، ومؤكداً أنه سيتابع هذا الملف حتى النهاية، وسيقوم بتحديد الثغرات القانونية ومواجهة المسؤولين أمام القضاء والقانون بناءً على الوثائق التي سيحصل عليها.

من جهتها، أشارت النائبة نجاة عون صليبا إلى أن هذا الموضوع قد أثار في السابق اعتراضات واسعة من سكان المنطقة الذين تمكنوا حينها من إيقاف المشروع”، مضيفةً “أشكّ في أن تكون هذه المنشآت حاصلة على تراخيص أو ملتزمة بالمعايير العالمية، لأن المعايير الدولية تشترط على أن تكون خزانات الغاز بعيدة عن أي تجمّع سكني أو صناعي ضمن مسافات محددة.” وترى أن خطورة هذا الملف تكمن في الغطاء السياسي الذي يحميه، متسائلةً: “كيف يمكن لهذا المشروع أن يحصل اليوم على ترخيص؟ ففي عام 2017 تم إيقافه لعدم توفر المساحة الكافية ولعدم التزامه بمعايير السلامة العامة”.

وفي ظل هذا الوضع الفوضوي، يرجح عباس وجود احتمالين: إما أن تكون هناك تراخيص غير سليمة، أو أن الشركة تقوم بهذا التوسع بشكل غير قانوني. ويكشف في الوقت نفسه أن “وزارة الطاقة والمياه هي المعنية مباشرة بهذا الملف، وهي التي منحت الأذونات عام 2017 حين بدأ العمل على أعمال الترميم، إلا أنّ الوتيرة تسارعت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة”.

في المقابل، تؤكد مصادر في وزارة الطاقة أن الوزارة لا تمانع في تقديم جميع المعلومات المطلوبة والمتوفرة لديها، مشيرةً إلى أن دورها يقتصر على الدراسة الفنية للملف. وتضيف المعلومات: “في عام 2017، خلال ولاية الوزير سيزار أبي خليل، جرى إعداد دراسة ملف فني وفق المرسوم 5009، وأُعطي رأي فني يسمح بتوسيع المنشأة. لكن الترخيص النهائي لا يصدر عن وزارة الطاقة، بل عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني، بعد استكمال الدراسات من مختلف الوزارات المعنية”.

أما وزارة الأشغال، فتؤكد أن الأعمال التي تجرى حالياً هي أعمال محصورة ضمن نطاق العقار الخاص العائد للشركة، وليست قائمة على الأملاك العامة البحرية، مشيرةً إلى أن هذه الأعمال حاصلة على التراخيص والموافقات المطلوبة من الجهات المختصة. كما تشدد على أنه “لا يوجد أي امتداد أو إنشاءات جديدة على الملك البحري العام، ولا أي تعدٍّ عليه، وما يُتداول لا يستند إلى وقائع قانونية مثبتة ضمن نطاق صلاحيات وزارة الأشغال العامة والنقل. أما في ما يتعلّق بأي ادعاءات او تجاوزات بيئية، فإن معالجتها والبتّ بها لا يدخل ضمن اختصاصها”.

وفي خضم تضارب المسؤوليات، يبقى السؤال الأساسي: من هي الجهة المسؤولة عن منح الترخيص؟ يشرح المحامي علي عباس أن هناك أنواعًا متعددة من الموافقات، مشدداً على أن “المرسوم الصادر عام 2013، المعروف بالمخطط التوجيهي لمنطقة برج حمود، يركّز بشكل أساسي على أنه لا يجوز إنشاء منشآت ضخمة وخطيرة إلا وفق شروط واضحة وصريحة، وبالاستناد إلى معايير دولية معتمدة في مجال السلامة العامة. وهذا المخطط ينصّ صراحةً على أن منشآت من هذا النوع تحتاج إلى ترخيص صادر عن المجلس الأعلى للتنظيم المدني”.

ويضيف عباس “إن المعنيين لم يستندوا إلى هذا المرسوم، بل اعتمدوا على مرسوم أقدم يعود إلى العام 1993، رقم 5509″، مشيراً إلى انه “لا يميّز بين محطة وقود عادية ومنشأة تضم عشرين أو ثلاثين خزاناً كبيراً للغاز والمحروقات والمواد الهيدروكربونية، وبالتالي جرى الاستناد إليه للحصول على إذن بالترميم والتوسعة، بحجة وجود منشأة سابقة قبل تعديل المخطط التوجيهي للمنطقة، رغم أن بعد انفجار مرفأ بيروت، طُلب من جميع هذه المنشآت نقل خزاناتها خارج المنطقة”.

كما يلفت إلى أن قانون تقييم الأثر البيئي ينص على أن أي مشروع يتضمن إنشاء خزانات ضخمة، يفرض إجراء دراسة لتقييم الأثر البيئي، مما يتطلب موافقة من وزارة البيئة، مضيفاً “نحن اليوم نتحدث عن منشأة مصنّفة ضمن فئة الخطر المحدق العالي جداً (A1)، أي أعلى درجات المخاطر على السلامة العامة، وهذا الموضوع ليس مزحة. لكن من أجل الجشع والربح السريع، لا تشكّل سلامة الناس أولوية.”

ويختم قائلاً: ” فبلدية برج حمود تتقاضى من جهة، والوزارات تتحاصص فيما بينها من جهة أخرى، وتمنح تراخيص بلا ضوابط، وفي النهاية يرفع الجميع شعار مكافحة الفساد”. يبدو أنّ خزانات “كورال” في برج حمود تمثل اختباراً جديداً لدولة لم تستوعب بعد أن سلامة المواطنين هي حق أساسي لا يقبل المساومة. وبعد كارثة 4 آب، لم يعد أمام اللبنانيين سوى التضرع إلى الله كي لا “تتكرّر الكرّة”.