لهذا السبب تراجع ترامب عن قرار ضرب إيران

خلال الأسبوعين الماضيين، حبس العالم أنفاسه بانتظار قرار قد يشعل الشرق الأوسط: هل سيأمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران؟ فمع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في الداخل الإيراني، وتهديدات ترامب العلنية للنظام في طهران، بدا التدخل العسكري أقرب من أي وقت مضى.

بحسب صحيفة The Guardian البريطانية، بلغ التوتر ذروته يوم الثلاثاء، حين كان من المقرر أن يتلقى ترامب إحاطة أمنية من مسؤولي البنتاغون حول خيارات عسكرية متعددة. وفي اليوم نفسه، نشر الرئيس الأميركي رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعا فيها الإيرانيين إلى مواصلة التظاهرات والسيطرة على مؤسسات الدولة، ملمّحًا بوضوح إلى أن “المساعدة في الطريق”، في إشارة فهمها كثيرون على أنها تمهيد لضربة وشيكة.

تراجع مفاجئ عند حافة المواجهة

لكن المشهد انقلب خلال ساعات. فبحلول صباح الأربعاء، أعلن ترامب تراجعه عن خيار التدخل العسكري المباشر، مؤكدًا أنه تلقّى معلومات من “مصادر بالغة الأهمية” تفيد بأن السلطات الإيرانية أوقفت قتل المتظاهرين، ولن تمضي في تنفيذ أحكام إعدام بحق المعتقلين.

وترى الصحيفة أن هذا التراجع لم يكن وليد عامل واحد، بل نتيجة ضغط إقليمي مكثّف قادته دول حليفة لواشنطن في الشرق الأوسط، أبرزها السعودية وقطر وسلطنة عُمان وتركيا. هذه الدول، رغم خلافاتها العميقة مع طهران ونفوذها الإقليمي، حذّرت ترامب من أن أي ضربة أميركية قد تشعل صراعًا واسعًا يصعب احتواؤه.

لماذا خافت الدول العربية من الضربة؟

وفق التقرير، تخشى دول المنطقة من ثلاثة سيناريوهات رئيسية في حال اندلاع مواجهة عسكرية:

  1. هجمات انتقامية إيرانية تطال القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن.
  2. إغلاق مضيق هرمز، ما سيؤدي إلى اضطراب خطير في إمدادات النفط العالمية وارتفاع حاد في الأسعار.
  3. انفجار داخلي إيراني قد يتحوّل إلى حرب أهلية، مع تدفق موجات لجوء جديدة نحو دول الجوار.

ورغم أن النظام الإيراني قمع الاحتجاجات بعنف دموي، وقطع الاتصالات والإنترنت لعزل البلاد عن العالم، إلا أن حلفاء واشنطن رأوا أن التدخل العسكري قد يجعل الأمور أسوأ، لا أفضل.

ترامب بين الخط الأحمر وهاجس “الضعف”

تلفت الصحيفة إلى أن ترامب وجد نفسه محاصرًا بخطابه نفسه. فمنشوراته المتكررة على منصته “تروث سوشيال” وضعته أمام خط أحمر علني: إذا استمر النظام الإيراني في قتل المتظاهرين السلميين، فإن الولايات المتحدة “ستتدخل”.

ومع تصاعد القمع، بدأ مساعدو ترامب يشعرون بأن الرئيس بات “ملزمًا” بتنفيذ تهديداته، ليس فقط بدافع السياسة، بل بدافع شخصي. فترامب يكره الظهور بمظهر الضعيف، ويُبدي إعجابًا بالقادة الأقوياء والمستبدين، وقد سبق أن انتقد رؤساء أميركيين سابقين، وخصوصًا باراك أوباما، لعدم تنفيذهم تهديداتهم، كما حصل بعد استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي عام 2013.

وبحسب الصحيفة، كان ترامب مستعدًا للمخاطرة بتداعيات خطيرة – من ضرب القواعد الأميركية في المنطقة، إلى تعطيل تجارة النفط العالمية – فقط لتجنّب الظهور بمظهر من تراجع تحت الضغط.

فنزويلا… عامل الثقة الزائفة

ما عزّز اندفاع ترامب، وفق التقرير، هو نجاح العملية الأميركية في فنزويلا. ففي 3 كانون الثاني، نفّذت قوات خاصة أميركية عملية خاطفة في كاراكاس انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك لمحاكمته. هذا الإنجاز العسكري السريع أعطى ترامب ثقة إضافية بقدرة واشنطن على فرض إرادتها بالقوة.

بل إن ترامب ذهب أبعد من ذلك، متحدّثًا علنًا عن إمكانية إشراف الولايات المتحدة على فنزويلا والسيطرة على مواردها النفطية، ثم استغل الصدمة لتوجيه تهديدات جديدة إلى كوبا وكولومبيا والمكسيك، وصولًا إلى إعادة طرح فكرة ضمّ غرينلاند، التي كانت تُعد سابقًا مجرد استفزاز إعلامي.

تراجع تكتيكي لا إلغاء للخيارات

وتخلص The Guardian إلى أن تراجع ترامب لا يعني إسقاط الخيار العسكري نهائيًا. فالبيت الأبيض لا يزال يحتفظ بسلة خيارات، قد تشمل ضربات محدودة أو هجمات إلكترونية تستهدف أجهزة الأمن الإيرانية، في محاولة لحفظ “ماء الوجه” من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

بكلام آخر، ما جرى هو تراجع تكتيكي مؤقت، فرضته حسابات إقليمية وخشية من انفجار شامل، لا تحوّل جذري في سياسة ترامب تجاه إيران.