لبنان: معضلة تسليم المطلوبين لسوريا تتصاعد... هل يصبح "تسليم رجال الأسد" مستحيلاً؟

إن طلب السلطات السورية من الأجهزة الأمنية اللبنانية بتسليم ما يزيد على 200 ضابط كبير من النظام السوري السابق، والذين لجأوا إلى لبنان عقب سقوط نظام “بشار الأسد”، يضع الدولة اللبنانية أمام قضية في غاية الدقة، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الحسابات السياسية، وتتعارض فيها مفاهيم اللجوء والملاحقة القضائية مع السيادة الوطنية.

فهذه القضية ليست مجرد إجراء أمني أو إداري، بل تثير نقاشًا أعم حول كيفية تعامل الدولة اللبنانية مع طلب خارجي يتعلق بضباط من نظام سابق، وذلك في ظل غياب إطار قانوني واضح، وتداخل المعايير السياسية والقضائية المرتبطة بتحديد الوضع القانوني لهؤلاء اللاجئين.

وفي هذا السياق، يوضح المحامي نعمة الله سلامة في حديث إلى ، أن الضباط السوريين المتواجدين في لبنان يعتبرون مطلوبين في قضايا أمنية وجرائم، وليسوا لاجئين سياسيين.

ويشير سلامة إلى نقطة جوهرية، وهي أن لبنان لم يمنح أيًا من هؤلاء الضباط صفة اللجوء السياسي بشكل رسمي. فاللجوء السياسي، وفقًا للقوانين الدولية، لا يفترض أو يستنتج، بل يمنح بقرار صريح وواضح من الدولة المضيفة.

ويستدل في هذا الصدد بتجارب دولية، مثل فرنسا، التي سبق وأن منحت لجوءًا سياسيًا لشخصيات لبنانية، بينما الوضع في لبنان مختلف تمامًا، إذ يعتبر هؤلاء الأشخاص متواجدين على الأراضي اللبنانية دون أي صفة لجوء رسمية.

ويشرح سلامة الفرق الأساسي بين مساري التسليم القضائي والترحيل الأمني، وهما إجراءان مختلفان تمامًا من حيث الطبيعة والآليات. فالترحيل الأمني هو إجراء إداري يتم اتخاذه، بينما التسليم القضائي يتطلب وجود مذكرات توقيف صادرة عن جهة قضائية مختصة، وأن يكون الشخص خاضعًا لإجراءات قضائية رسمية، سواء كان موقوفًا أو محاكمًا، قبل اتخاذ قرار تسليمه.

ويؤكد أن الضباط الذين تطالب بهم السلطات السورية اليوم لا يخضعون لأي محاكمة داخل لبنان، ولا توجد معارضة من السلطة لتسليمهم إلى دولتهم.

ويضيف سلامة أن الأمر يقتصر حاليًا على مفاوضات تجري بين الدولة اللبنانية، ممثلة بوفد وزاري يضم وزير العدل اللبناني، ووفد وزاري سوري، والهدف من هذا التنسيق هو وضع أسس قانونية لعمليات التسليم، بما لا يخل بالسيادة الوطنية.

وفي الإطار القانوني الأوسع، تعتبر اتفاقية تسليم السجناء إحدى أدوات التعاون القضائي في القانون الدولي، حيث تنظم نقل المحكومين بين دولتين أو أكثر لاستكمال تنفيذ العقوبة أو متابعة الإجراءات القضائية، بما يتماشى مع القوانين الوطنية والمواثيق الدولية. وتستند هذه الاتفاقيات إلى مبادئ أساسية، أبرزها شرط “التجريم المشترك”، ومبدأ المعاملة بالمثل، وحظر ازدواج العقوبة، بالإضافة إلى احترام حقوق الإنسان والالتزام بالسيادة الوطنية.

أما الاتفاقية السارية بين لبنان وسوريا، فتنظم عملية تسليم المجرمين وفق شروط محددة، في مقدمتها استثناء الجرائم ذات الطابع السياسي، وضرورة اتباع إجراءات قانونية دقيقة تشمل تقديم الطلبات والأدلة اللازمة. كما تشدد على ضمان حقوق السجناء، بما في ذلك المعاملة الإنسانية، والمحاكمة العادلة، والرعاية الصحية، وحق التواصل مع العالم الخارجي والحصول على المساعدة القانونية، إضافة إلى الحماية من أي تسليم تعسفي أو غير قانوني.

وخلاصة القول، إن الطلب السوري يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة دقيقة: فالتسليم لا يمكن أن يكون إجراءً إداريًا سريعًا خارج الأطر القانونية، كما أن تجاهله بشكل كامل قد يحمل تبعات سياسية وأمنية. وبين هذين الخيارين، يبدو أن بيروت مطالبة بصياغة نهج متوازن يحافظ على سيادتها، ويراعي التزاماتها القانونية الدولية، دون الانزلاق إلى قرارات قد تفتح أبوابًا قانونية وسياسية يصعب إغلاقها لاحقًا.