بعد الاكتتاب العام: هيئة التشريع والرأي تصدم "جو صدي"

:

بعد محاولات حثيثة للإبقاء على شركات مخالفة للقانون وملاحقة قضائيًا ضمن قائمة موردي وزارة الطاقة، تلقى وزير الطاقة، “جو صدي”، وفريقه الاستشاري ضربة قانونية جديدة من هيئة التشريع والاستشارات، نسفت مجددًا كل المبررات التي تم تقديمها لتبرير مخالفة القانون.

في حين كان رأي هيئة الشراء العام واضحًا وصريحًا بوجوب استبعاد الشركات المخالفة من أي مناقصة عامة، اعتبر وزير الطاقة أن هذا الرأي “غير مفهوم”، متحججًا بوجود “التباس قانوني”.

وعليه، ظهر “صدي” عبر وسائل الإعلام ليقدم دروسًا في القانون، متحدثًا عن حرصه على المال العام، ومعتبرًا أن الرأي الثاني لهيئة الشراء العام – الصادر بعد مذكرة قانونية قدمها المهندس “فوزي مشلب” لقطع الطريق على محاولات التبرير – وضعه أمام “رأيين متناقضين”، مدعيًا أنه لا يستطيع استبعاد الشركات من دون مسوغ قانوني، قبل أن يتوجه بسؤال إلى هيئة التشريع والاستشارات.

لكن، وكما حدث سابقًا مع هيئة الشراء العام، ولمنع صدور رأي مبني على معطيات ناقصة قدمتها وزارة الطاقة، بادر المهندس “مشلب” إلى رفع مذكرة تفصيلية إلى هيئة التشريع والاستشارات. فجاء القرار الصادر عن رئيسة الهيئة بالتكليف، القاضية النزيهة “ندى غمرا”، مستندًا حرفيًا وكليًا إلى ما ورد في مذكرة “مشلب”، وإلى النصوص نفسها التي كانت وزارة الطاقة قد نُصحت بتطبيقها منذ البداية.

القرار أعاد التذكير بجوهر “تصريح النزاهة” الذي يوقعه كل عارض، ويتعهد فيه بعدم المشاركة في أي مناقصة عامة في حال ارتكابه أي مخالفة، ويقر مسبقًا بعدم أحقيته بالاعتراض على أي قرار إداري بالإقصاء.

وعلى الرغم من وضوح هذه النصوص القانونية، التي لم يتوقف منذ شهر حزيران عن تذكير وزير الطاقة بوجوب احترام مفاعيلها، انصاع “صدي” لإرادة فريقه السياسي ولإملاءات مستشاره القانوني “بطرس حدشيتي”، ممعنًا في تجاهل القانون.

هذا المسار لم يعد تفصيلًا إداريًا، بل بات يعكس تداخلًا يوميًا بين شعارات إصلاحية مرفوعة وكفاءة مفقودة وخبرة غائبة. فمرة يحمّل الوزير “الإخبارات المتعددة” مسؤولية العتمة لأنها، بحسبه، أخافت العارضين، ومرة يعارض تحقيق الجمارك في ملف ناقلة Hawk III.

وعندما فُرضت غرامة تاريخية بقيمة عشرة ملايين دولار، صدر بيان نُسب فيه “الإنجاز” إلى الوزارة، وقيل إن الوزير هو من تقدم بإخبار، فيما الملف فُتح أساسًا بناءً على إخبار المهندس “مشلب”.

ثم عاد الوزير ليناقض نفسه مجددًا، إذ سربت وزارة الطاقة معلومات إلى جريدة “نداء الوطن” تزعم فيها أن “صدي” تقدم بإخبارات قضائية بحق الشركات، وأن شعبة المعلومات تحقق في جميع الناقلات. هذا التسريب تحول إلى مادة ترويجية إلكترونية لصالح “القوات اللبنانية”، متناسيًا تصريح الوزير نفسه قبل أيام فقط، حين اعتبر أن الإخبارات هي سبب العتمة.

أما ذروة المشهد العبثي، فتمثلت في بيان رئيس حزب “القوات اللبنانية”، “سمير جعجع”، الذي تغنى بما سماه “الاكتفاء الذاتي” لوزارة الطاقة.

والفضيحة هنا أن ساعات التغذية تراجعت، فيما “الاكتفاء الذاتي” ليس إنجازًا بل إدانة.

فتعرفة الكهرباء ثبتت منذ تشرين الثاني 2022 على أساس سعر برميل برنت 110 دولارات، مع وعد بإعادة التسعير كل شهرين وفق الأسعار العالمية.

في حين أن معدل سعر البرميل في عام 2025 بلغ نحو 65 دولارًا فقط، أي أن كلفة الفيول انخفضت بنحو 45%.

وبدل التباهي بـ “الاكتفاء الذاتي”، كان يفترض أن يظهر فائض في الجباية يتراوح بين 40 و 50% من مجمل الفواتير، خصوصًا أن التسعير أُخذ فيه بالحسبان هدر تقني وغير تقني بنسبة 40%.

شعار “نحنا بدنا وفينا” سقط خلال الأشهر العشرة الأولى من التجربة.

ومن هنا تفهم مسارعة “القوات اللبنانية” إلى المطالبة بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها، لأن أي تأجيل سيكشف نتائج كارثية على شعبيتها، التي بنيت لسنوات على معارضة غير بناءة، وها هي اليوم، في موقع السلطة، تختبر… وتسقط.