ما المصير المنتظر لإيران بعد رحيل "خامنئي"؟

في ظل الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها إيران منذ أسابيع، يبرز سؤال جوهري في النقاشات الإقليمية والدولية: كيف سيبدو المشهد الإيراني والشرق أوسطي في حال سقوط النظام الإيراني الحاكم؟ وهل سيؤدي ذلك إلى تغيير جذري في سياسات طهران الداخلية والخارجية، أم سيكون التغيير تدريجيًا ومحدودًا؟

هذا السؤال كان محور تقرير موسع نشرته قناة N12 الإسرائيلية، أعده الصحافي “يوغيف كرمل”، وتناول فيه تداعيات الاحتجاجات المتصاعدة داخل إيران، واحتمالات انهيار النظام، وتأثير ذلك على قضايا الأمن الإقليمي، والطاقة، والبرنامج النووي.

“هذا الاختناق الذي تراكم لسنوات تحوّل إلى صرخة”، يقول “سجاد”، وهو من سكان مدينة مشهد الإيرانية، في حديثه للقناة. ويضيف: “لا شيء يخيفني أكثر من الحياة تحت ظل هذا الحكم. لم نعد نخاف من أي شيء آخر”. شهادة “سجاد” تعكس، بحسب التقرير، حالة الغضب المتراكمة لدى شريحة واسعة من الإيرانيين الذين خرجوا إلى الشوارع في أكثر من 200 مدينة، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وسط سقوط عشرات القتلى واعتقال أكثر من 1000 شخص.

في إسرائيل، تتابع الأوساط السياسية والأمنية هذه التطورات بحذر شديد. وتشير قناة N12 إلى أن تقديرات أمنية إسرائيلية ترى أن احتمال سقوط النظام الإيراني الحاكم في المدى القريب لا يزال محدودًا، رغم اتساع نطاق الاحتجاجات، وذلك بسبب استمرار ولاء قوات “الباسيج”، وهي قوة شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني تُستخدم لقمع التحركات الداخلية.

الدكتور “شاؤول يناي”، الباحث في “منتدى التفكير الإقليمي” ومحاضر العلوم السياسية في جامعة حيفا الإسرائيلية، يرى أن إيران فشلت خلال العقدين الماضيين في تحقيق مشروعها الإقليمي. ويقول: “إيران حاولت بناء هيمنة سياسية وعسكرية ودينية في الشرق الأوسط، لكنها أخفقت. اليوم، يسأل جزء كبير من الشعب الإيراني: أنفقنا أموالًا طائلة خارج حدودنا، فيما أهملنا الداخل، فما الذي جنيناه في النهاية؟”.

من جهتها، ترى “هليت بارئيل”، المديرة السابقة في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، وهو جهاز استشاري تابع لرئاسة الحكومة، أن سقوط النظام – إذا حدث – لن يؤدي تلقائيًا إلى تغيير جذري في النظام الدولي. وتوضح: “قد تخسر روسيا والصين شريكًا مهمًا، لكن ذلك لا يعني انقلابًا في سياساتهما. كما لا يمكن الافتراض أن البرنامج النووي الإيراني سيختفي سريعًا، فهو مشروع وطني استُثمرت فيه موارد ضخمة لعقود، وأصبح جزءًا من مفهوم السيادة لدى شرائح داخل إيران”.

إلى جانب الاحتجاجات، تشير القناة إلى أن النظام الإيراني الحاكم يسعى إلى إظهار قوته من خلال مناورات عسكرية وتجارب صاروخية، في رسالة موجهة إلى الداخل والخارج، وخاصة إلى إسرائيل والولايات المتحدة، لردعهما عن استغلال حالة الاضطراب الداخلي. ومع ذلك، تنقل N12 عن وسائل إعلام غربية، بما في ذلك صحيفة “نيويورك تايمز”، أن مسؤولين إيرانيين يصفون الوضع الحالي بأنه “وضع بقاء”، فيما ذكرت صحيفة “التايمز” البريطانية أن المرشد الأعلى “علي خامنئي”، البالغ 86 عامًا، يدرس سيناريو الهروب إلى روسيا في حال تفاقم الوضع.

إقليميًا، يرى التقرير أن أي تراجع في الدور الإيراني قد يمهد الطريق لتحولات كبيرة في الشرق الأوسط. ويوضح الدكتور “يناي” أن إيران تُعد أحد أبرز العوائق أمام مشاريع الاستقرار والتنمية الإقليمية، مثل الرؤية التي طرحها ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” لإقامة فضاء اقتصادي مستقر يمتد من شمال أفريقيا إلى الخليج. ويضيف: “طالما بقي التهديد الإيراني قائمًا، تتجه الاستثمارات نحو الأمن والتسلّح بدل الاقتصاد. وإذا زال هذا التهديد، يمكن للمنطقة أن تنتقل إلى مرحلة إعادة الإعمار والتنمية، من اليمن وسوريا إلى لبنان والعراق”.

اقتصاديًا، يتناول تقرير قناة N12 التأثير المحتمل على أسواق الطاقة. الدكتور “عميت مور”، أستاذ في جامعة رايخمان الإسرائيلية، وهي جامعة خاصة متخصصة في الدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، والرئيس التنفيذي لشركة استشارات في مجال الطاقة، يشير إلى أن إيران تنتج حاليًا حوالي 4 ملايين برميل نفط يوميًا، أي ما يقارب 5% من الإنتاج العالمي، لكنها تمتلك احتياطيات وقدرات إنتاجية أكبر بكثير. ويقول: “إيران من دون عقوبات يمكن أن تعود لاعبًا محوريًا في سوق الطاقة العالمي، ليس فقط في النفط بل في الغاز أيضًا، إذ تمتلك ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم بعد روسيا”.

في المقابل، يحذّر “مور” من توقع انخفاض حاد في أسعار النفط، موضحًا أن زيادة الإنتاج قد تخفف الضغط على الأسعار لكنها لن تؤدي إلى تراجع كبير، كما أنها لن تعرقل التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة.

أما فيما يتعلق بالبرنامج النووي، فتشير القناة إلى وجود إجماع نسبي بين الخبراء على أن التخلي عنه سيكون بطيئًا ومعقدًا. وتوضح “بارئيل” أن “النووي والصواريخ باتا رمزين للسيادة الوطنية في الوعي الإيراني”، مما يجعل أي تنازل في هذا المجال تدريجيًا ومشروطًا، وقد يقتصر في البداية على العودة إلى المفاوضات أو خفض مستوى التخصيب، دون التخلي الكامل عن البرنامج.

ويخلص تقرير قناة N12، بقلم “يوغيف كرمل”، إلى أن سقوط النظام الإيراني الحاكم – إن تحقق – لن يكون نهاية فورية لأزمات المنطقة، لكنه قد يشكل نقطة تحول تاريخية تفتح الباب أمام مسار مختلف، أقل تصعيدًا وأكثر تركيزًا على التنمية، وإن كان هذا المسار طويلًا ومليئًا بالتحديات.