قرار غير مسبوق وأرقام صادمة: هل دق ديوان المحاسبة ناقوس الخطر؟

أثار القرار الصادر عن ديوان المحاسبة في قضية وزراء الاتصالات جدلاً واسعاً على المستويين السياسي والقانوني، وذلك ليس فقط بسبب حجم الغرامات المالية الهائلة التي تجاوزت 35 مليون دولار، بل أيضاً بسبب طبيعة هذا القرار، وحدوده القانونية، وتوقيته. فبينما قُدِّم الحكم على أنه خطوة مهمة في طريق استعادة المال العام، يظهر نقاش جاد حول ما إذا كان القرار يندرج فعلاً ضمن إطار المحاسبة الإدارية السليمة، أم أنه يشكل انزلاقاً قانونياً يفتقر إلى الضمانات الأساسية، ويخلط بين مفهومي “الهدر” و”الفساد”.

في البداية، يجب التذكير بأن القضية، بحسب طبيعتها القانونية، هي قضية إدارية بحتة وليست جزائية. فديوان المحاسبة هو محكمة إدارية مالية، ومهمته هي مراقبة كيفية استخدام المال العام، ومدى الالتزام بالقوانين والأنظمة في الإنفاق، وليس محكمة جزائية مختصة بجرائم الفساد مثل الاختلاس أو الإثراء غير المشروع. وفي هذا السياق، لم يتضمن القرار أي اتهام بتحقيق منفعة شخصية أو تحويل أموال عامة إلى حسابات خاصة، بل ركز على ما اعتبره “هدر أموال عامة” ناتجاً عن سوء إدارة أو قرارات إدارية خاطئة. إن الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين الهدر والفساد يؤدي إلى تضليل الرأي العام، ويعطي القرار بعداً أخلاقياً وسياسياً لا يعكس بدقة مضمونه القانوني.

الإشكالية الثانية تتعلق بالانتقائية في المعاملة. فقد شمل الحكم وزراء من فترات مختلفة، إلا أن التفاوت في المعاملة بينهم يثير تساؤلات مبررة.

إضافة إلى ذلك، يشكل الحكم سابقة خطيرة من حيث تحميل وزراء سابقين مسؤوليات مالية شخصية بمبالغ ضخمة في قضايا تتعلق بسوء إدارة لا بفساد مثبت. فمتى أصبحت الأخطاء الإدارية، أو الاجتهادات الخاطئة، سبباً لمطالبة المسؤول العام بدفع ملايين الدولارات من ماله الخاص بعد مرور عشرات السنين؟ هذا المنطق يهدد فكرة تولي الشأن العام نفسها، إذ يجعل أي وزير أو مسؤول عرضة لمخاطر مالية شخصية لا يمكن تحملها، بناءً على اجتهادات لاحقة أو تغيير في المعايير. المحاسبة ضرورية، لكن تحويلها إلى عقوبة تعجيزية يفرغها من معناها، ويؤدي عملياً إلى عزوف أصحاب الكفاءة عن تولي المسؤولية.

كما تبرز مشكلة أساسية في مسألة ضمانات المحاكمة العادلة. فالاعتراض لا يقتصر على النتائج، بل يشمل المنهجية المتبعة. فهل تم الاستماع بشكل كاف إلى إفادات المعنيين؟ وهل تم التدقيق الشامل في الوقائع الميدانية، وفي سلسلة القرارات الإدارية المتتالية؟ وهل أُخذ في الاعتبار السياق الكامل الذي اتُخذت فيه هذه القرارات؟ في قضايا بهذا الحجم، لا يمكن الاكتفاء بتقارير خبرة أو استنتاجات مكتوبة من دون مواجهة شاملة للوقائع، خصوصاً عندما تترتب عليها التزامات مالية كبيرة.

وفيما يتعلق بمرور الزمن، يطرح القرار إشكالية قانونية إضافية. فالقضايا موضوع الحكم كانت معروفة ومتداولة في الإعلام منذ أكثر من عشر سنوات، مما يضعف فكرة اعتبارها “جرائم خفية” لتجاوز مرور الزمن. إن استخدام هذا المفهوم خارج شروطه القانونية يقوض مبدأ استقرار الأوضاع القانونية، ويفتح الباب أمام إعادة فتح ملفات قديمة بشكل انتقائي، وهو أمر خطير في دولة تعاني أصلاً من اهتزاز الثقة بالقضاء.

أما في جوهر القضية، وتحديداً فيما يتعلق بقطاع الخليوي، فلا يمكن تجاهل خصوصية الإطار القانوني الذي أُنشئت بموجبه شركتا الخليوي منذ عام 2004. فقد اعتمدت الدولة آنذاك نظام العقود الائتمانية (Fiducie) لفصل إدارة الشركتين عن قيود قانون المحاسبة العمومية، بهدف تمكينهما من مواكبة التطور التكنولوجي السريع. هذا النظام لم يكن قراراً فردياً لوزير بعينه، بل خياراً أقره مجلس الوزراء، واستمر العمل به لسنوات طويلة، رغم اعتراض ديوان المحاسبة نفسه في مراحل سابقة. إن تحميل وزير مسؤولية مسار إداري وتنظيمي أُقرّ على مستوى الدولة يفتقر إلى العدالة، ويتجاهل السياق الذي حكم عمل القطاع.

وينطبق الأمر نفسه على مسألة المناقصات في عقود الإيجار. فالقرار ينتقد عدم إجراء مناقصات، في حين أن القانون الذي أوجب المناقصات في إيجارات القطاع العام لم يصدر إلا عام 2021. إن محاسبة وزير على مخالفة قاعدة لم تكن موجودة وقت اتخاذ القرار الإداري يشكل تطبيقاً بأثر رجعي لمعيار قانوني، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة القانونية.

وتزداد علامات الاستفهام مع التناقض في تقدير “سوء النية”. فبينما أُعفي بعض الوزراء أو أُوقفت العقوبة بحقهم بحجة حسن النية، اعتُبرت نية وزراء آخرين سيئة من دون قرائن واضحة أو أدلة مباشرة. إن عنصر النية في المسؤولية الإدارية يجب أن يُبنى على وقائع ثابتة لا على استنتاجات عامة، وإلا تحول إلى أداة انتقائية في يد الجهة التي تصدر الحكم.

كذلك، يثير القرار تساؤلات حول حدود صلاحية ديوان المحاسبة، ولا سيما فيما يتعلق بإدانة شركات خاصة أو تحميلها تعويضات، رغم أنها لا تقع مباشرة ضمن نطاق رقابته. إن توسع الديوان في تفسير صلاحياته قد يؤدي إلى تداخل خطير مع اختصاص القضاء العدلي، ويخلق إرباكاً في النظام القضائي ككل.

في الختام، لا يتعلق النقاش برفض مبدأ المحاسبة أو الدفاع عن الهدر، بل بالدفاع عن محاسبة عادلة ومتوازنة، تحترم السياق القانوني والزمني، وتلتزم وحدة المعايير، وتؤمن الحد الأدنى من الضمانات. فالقرار، بصيغته الحالية، يفتح الباب أمام سابقة قد تُستخدم لاحقاً بطريقة انتقائية، وتحول الرقابة المالية من أداة إصلاح إلى عامل تهديد للاستقرار الإداري والسياسي. من هنا، تبدو مرحلة الطعن أمام مجلس شورى الدولة مفصلية، ليس فقط لمصير هذه القضية، بل لتحديد حدود المحاسبة المالية في النظام اللبناني برمته.