مليارات الصين: هل تبددت؟

على مدار عقدين من الزمان، اعتبرت الصين فنزويلا استثمارًا استراتيجيًا بعيد المدى؛ دولة نفطية واعدة، تواجه صعوبات، لكنها كانت منفتحة على التمويل الصيني الذي امتد بهدوء في أمريكا الجنوبية. لكن مع اعتقال الولايات المتحدة للرئيس “نيكولاس مادورو”، أصبح مستقبل سداد القروض الصينية غير مؤكد، وربما ضائعًا.

شراكة قديمة
بدأت العلاقات الاقتصادية القوية بين الصين وفنزويلا في بداية الألفية، ووصلت إلى أوجها في عهد الرئيس الراحل “هوجو تشافيز”، الذي وصف بكين بأنها “جدار عظيم” في وجه النفوذ الأمريكي، وفتح الباب أمام استثمارات وقروض صينية واسعة النطاق.

القروض مقابل النفط
اعتمدت بكين في تعاملها مع كاراكاس على نموذج “القروض مقابل النفط”، حيث مولت مشاريع وبنية تحتية مقابل سداد الديون بشحنات نفط خام طويلة الأجل، مما جعل النفط الفنزويلي أداة مالية بقدر ما هو مورد طاقة.

البداية في 2006
في عام 2006، تعهدت فنزويلا بتزويد الصين بما يصل إلى مليون برميل يوميًا، في مقابل قروض صينية بقيمة ملياري دولار، ارتفعت إلى سبعة مليارات عام 2007، ثم 27 مليار دولار في عام 2010، وذلك بضمان إمدادات الخام المستقبلية.

قروض ضخمة
تشير تقديرات مركز “أيد داتا” التابع لكلية “وليام وماري” في ولاية فرجينيا، إلى أن الصين قدمت لفنزويلا حوالي 106 مليارات دولار منذ عام 2000 وحتى 2023، مما جعل كاراكاس رابع أكبر متلقٍ للائتمان الصيني على مستوى العالم.

تمويل المشروعات النفطية
تم تخصيص القروض الصينية المقدمة إلى فنزويلا لتمويل مشروعات البنية التحتية النفطية في البلاد ودعم شركة النفط الحكومية “بي دي في إس إيه”، بالإضافة إلى دعم ميزان المدفوعات الفنزويلي في عام 2014 بمبلغ يقارب 10 مليارات دولار. على الرغم من ضخامة المبلغ، إلا أن كاراكاس سددت معظم هذا الدين بالفعل عبر النفط، وتظل الأرقام الدقيقة للديون المتبقية غير واضحة، إلا أن مركز الأبحاث “بيوند ذا هورايزون” يشير إلى أن كاراكاس لا تزال مدينة لبكين بأكثر من 12 مليار دولار حتى ديسمبر الماضي.

تقدر مصادر أخرى أن كاراكاس لا تزال مدينة للصين بما يتراوح بين 10 و20 مليار دولار، مع احتمال أن يكون الرقم الفعلي أعلى بسبب القيود الأمريكية في السنوات الأخيرة على صادرات النفط الفنزويلية.

يعتمد مصير الديون على الحكومة التي ستتولى إدارة فنزويلا في المستقبل، وأحد السيناريوهات المقلقة هو لجوء الحكومة الجديدة إلى مبدأ “الديون البغيضة”، للطعن في شرعية القروض المبرمة خلال عهد “مادورو”، وهو إجراء قانوني قد يسمح بتعليق أو إلغاء الالتزامات تجاه بكين.

في المقابل، يرى محللون أن الولايات المتحدة قد تضطر لإشراك الصين في مفاوضات لإعادة هيكلة الديون، خاصة إذا كانت واشنطن تسعى إلى تحقيق استقرار سريع لقطاع النفط الفنزويلي وضمان تدفق العائدات.

لم يكن التحرك الأمريكي في فنزويلا مجرد إجراء أمني، بل كان يحمل رسالة سياسية واقتصادية واضحة مفادها أن نصف الكرة الغربي لا يزال منطقة نفوذ حصرية لواشنطن، وأن التوسع الصيني في المنطقة، خاصة من خلال الديون، أصبح محل مراجعة وضغط مباشر.

في الختام، تواجه الديون الصينية لفنزويلا منعطفًا حاسمًا بين إعادة هيكلة مشروطة، أو طعون قانونية، أو تسويات سياسية. يشير المشهد الأوسع إلى تراجع تدريجي للنفوذ الصيني في نصف الكرة الغربي، في مقابل عودة أمريكية قوية تعيد تشكيل خريطة الطاقة في المنطقة. (أرقام)