
بين عامي 2021 و2026، شهد لبنان تراجعاً كبيراً في التغذية الكهربائية الرسمية، حيث اقتصرت على ساعة واحدة يومياً تقريباً، مما عزز الاعتماد على البدائل داخل الأحياء. ومع هذا التدهور، انتقل النقاش من مجرد تكلفة الاشتراك ونوعية التيار الكهربائي إلى تساؤل أعمق حول من يمتلك القدرة على إنتاج الكهرباء وكيفية توزيعها بشكل عادل داخل المباني والأحياء، في بلد أصبحت فيه الطاقة انعكاساً يومياً للفوارق بين المقتدرين وغير المقتدرين. وفي خضم هذا المشهد، تراجعت المولدات في بعض المناطق مع انخفاض عدد المشتركين وتوجه العديد من الأشخاص نحو الطاقة الشمسية، مما أدى إلى بروز الطاقة الجماعية كتحول غير مسبوق بعد مرحلة “مولد الحي”. ففي نموذج المولد، يكون الإنتاج مركزياً والزبائن متفرقين، وكل شقة تشتري حصتها بشكل منفرد. بينما تعكس الطاقة الجماعية منطقاً معاكساً يقوم على إنتاج موزّع وملكية أو إدارة مشتركة، حيث يتحول المستهلكون إلى شركاء في القرار والتمويل وتقاسم الفائض.
كانت الصدمة المفصلية في عام 2022، عندما دفع رفع الدعم الناس إلى تسريع التحول نحو الطاقة الشمسية. ونتيجة لذلك، ارتفعت مساهمة الطاقة المتجددة إلى حوالي 21 بالمئة من إجمالي الطاقة المزوّدة بحلول نهاية عام 2022. ولم يقتصر التوسع على انتشار الألواح الشمسية، بل سُجلت إضافات تقارب 777 ميغاواط في عامي 2021 و2022، ثم تجاوزت القدرة التراكمية للطاقة الشمسية 1000 ميغاواط بنهاية عام 2023، واستمرت في الارتفاع حتى نهاية عام 2025. إن دلالة هذه الأرقام تتجاوز مجرد قياس الأحجام التقنية، فهي تعني أن قاعدة إنتاج الطاقة خرجت من احتكار واحد ودخلت إلى آلاف الأسطح، مما يفتح الباب تلقائياً أمام تقاسم الإنتاج داخل مبنى أو مجموعة مبانٍ بدلاً من أن يبقى كل منزل أسيراً لحل منفرد. وحسب خبراء الطاقة، دفعت هذه الكمية أصحاب الطاقة ذات الإنتاجية الوفيرة إلى إحياء فكرة “التخزين”. فعندما تصل حصة البطاريات إلى حوالي 65 بالمئة من القدرة المركبة، يصبح الهدف أبعد من مجرد تشغيل الأجهزة في وقت الشمس، نحو بناء قدرة على توزيع الكهرباء زمنياً بين النهار والليل. وهذا هو جوهر أي حل جماعي يهدف إلى ضمان الاستمرارية للجميع، وليس فقط للأقدر على الدفع.
في الخلفية، كان ميزان السوق يتبدل بوضوح. تراجعت حصة كهرباء لبنان من 38 بالمئة عام 2018 إلى 12 بالمئة عام 2022، في مقابل صعود المولدات الخاصة إلى 47 بالمئة في عام 2022. هذا التحول يفسر لماذا بدأ الناس يبحثون عن بديل ثالث، ليس الدولة وحدها ولا المولّد وحده، بل منظومة محلية تتشارك الإنتاج وتقلص الاعتماد على الوقود. على المستوى القانوني، فتح قانون الطاقة المتجددة اللامركزية رقم 318 لعام 2023 الباب أمام الصيغة الأكثر وضوحاً للطاقة الجماعية عبر القياس الصافي الجماعي والقياس لعدة مستأجرين. عملياً، يصبح بإمكان مبنى واحد أن يتعامل كوحدة طاقوية واحدة، ويحسب الإنتاج والاستهلاك بطريقة تسمح بتقاسم الفائض بدلاً من هدره أو حصره بمن يملك السطح. كما يتيح القانون تبادل الكهرباء مباشرة بين جهات خاصة ضمن العقار أو بين عقارات متجاورة، ويتيح أيضاً التبادل عن بُعد عبر ترتيبات التمرير باستخدام شبكة كهرباء لبنان، وهي النقطة التي تنقل الطاقة الجماعية من مستوى المبنى إلى مستوى الحيّ، لأن التمرير يجعل المشاركة ممكنة حتى عندما يكون الإنتاج في مكان والاستهلاك في مكان آخر.
في قلب فكرة الطاقة الجماعية، لا يعود “السطح” مجرد مساحة مهملة فوق المبنى، بل يتحول إلى أصلٍ مشترك يُدار كما تُدار أي ملكية جماعية، من خلال قرار، وموازنة، وصيانة، وتوزيع حصص. هنا تتبدل اللغة اليومية للسكان؛ من “اشتراك” و”فاتورة” إلى “حصة” و”إدارة” و”تقاسم”. حتى الخلافات التي كانت تدور حول أمبيرات المولّد، تُستبدل بنقاشات أكثر تنظيمًا حول حجم الاستثمار، وجدول الصيانة، وكيفية احتساب الفائض. والأهم أن الطاقة الجماعية تُعيد تعريف العدالة داخل المبنى نفسه. ففي نموذج “الشمس الفردي”، من يملك السطح أو يملك القدرة على الدفع يضمن طاقةً أكبر، بينما يبقى الآخرون على هامش الحل. أما في النموذج الجماعي، فيصبح الهدف تحويل الإنتاج إلى خدمة مشتركة تُخفّف الفوارق بين الشقق، خصوصًا عندما يقترن ذلك بالتخزين الذي يسمح بتوزيع الطاقة على ساعات الليل والنهار.
اقتصاديًا، تقدم هذه الصيغة حلولا جذرية تتمثل بتخفيض فاتورة الوقود من جهة، وتثبيت كلفة الطاقة على مدى أطول من جهة أخرى. فالمولّد يرتبط بسعر المازوت وتقلباته، أما منظومة شمسية جماعية فترتبط أكثر بكلفة تركيب وصيانة موزّعة على عدد أكبر من الشقق. وعلى مستوى الحيّ، تتحوّل الطاقة الجماعية إلى ما يشبه “شبكة اجتماعية للكهرباء”. فحين يصبح التمرير ممكنًا يستطيع مبنى يملك إنتاجًا فائضًا في نقطة ما أن يغذّي استهلاكًا في نقطة أخرى، فتظهر إمكانات جديدة للتعاون بين الجيران بدلاً من أن يبقى كل مبنى جزيرة مستقلة. وهذه النقلة بالذات هي التي تمنح التحول بعدًا حيويًا، لأنها تربط الطاقة بالسلوك الاجتماعي وبالثقة المتبادلة وبقدرة المجتمع المحلي على تنظيم نفسه. في هذا السياق، يقول جهاد بيطار، أحد القائمين على مشروع الطاقة الجماعية في مبنى سكني في منطقة الجبل لـ”لبنان24″ إن الفكرة بدأت “كسؤال بسيط بين الجيران: لماذا يدفع كل واحد منا وحده ثمن حلّ فردي إذا كان بإمكاننا أن ننتج ونخزّن ونتقاسم؟”. ويشرح بيطار أن السكان شكّلوا لجنة صغيرة لجمع الأرقام وتحديد الحصة لكل شقة وفق الاستهلاك، ثم اتفقوا على آلية صيانة ومحاسبة شهرية “حتى لا تتحول الشراكة إلى خلاف دائم”. ويضيف أن الفرق الأكبر ظهر بعد تركيب التخزين، إذ “لم تعد الكهرباء مرتبطة بساعات الشمس فقط، صار في إمكاننا توزيعها على الليل والنهار بشكل أعدل، ومع الوقت انخفض اعتمادنا على المولّد وضجيجه ورائحته، والأهم أن القرار لم يعد بيد مزوّد واحد بل بيد سكان المبنى”.
ومع كل ذلك، تبقى التجربة محكومة بسؤال الحوكمة: من يدير؟ ومن يراقب؟ وكيف تُحلّ النزاعات؟ الطاقة الجماعية لا تنجح فقط بالألواح والبطاريات، بل بقواعد واضحة، من خلال قياس شفاف، آلية محاسبة مفهومة، وصيغة إدارة تمنع تحويل “الشراكة” إلى احتكار جديد داخل المبنى. فكلما كانت هذه القواعد أبسط وأكثر عدلاً، زادت فرص أن تتوسع التجارب من حالات محدودة إلى نموذج يتكرر في أحياء متعددة، بدل الاعتماد على وعود حكومية كان آخرها ما أهدته حكومة الرئيس نواف سلام للبنانيين خلال موسم الأعياد ألا وهي “عيدية العتمة”.
خلاصة التحول أن لبنان بدأ ينتقل من اقتصاد اشتراك يقوم على شراء الطاقة من مولّد، إلى اقتصاد مشاركة يقوم على تقاسم الإنتاج وإدارته داخل المجتمع المحلي. الفرق الجوهري أن المولّد يبيعك كهرباء، بينما الطاقة الجماعية تعيد تعريفك كمساهم في إنتاجها وتوزيعها، وتفتح فرصة لتخفيف التلوث والضجيج المرتبطين بالمولدات كلما توسّعت الشبكات الشمسية اللامركزية.