
في كل مرة تهز إيران موجة من الاحتجاجات الداخلية، يطفو على السطح مجددًا الحديث عن إسقاط النظام من الداخل، وهو موضوع دائم الحضور في الصراع الدائر بين الجمهورية الإسلامية وخصومها على المستويين الإقليمي والدولي. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية في عام 1979، لم تتوقف الجهود المبذولة لإضعاف النظام الإيراني عن طريق استغلال الأزمات الاقتصادية، والخلافات الاجتماعية، والتوترات السياسية، وتحويلها إلى نقطة انطلاق لإحداث تغيير جذري في هيكل الحكم.
لكن هذه المحاولات لم تقتصر على العوامل الداخلية فحسب، بل كانت مصحوبة، كما تشير العديد من التقارير والتحليلات، بتدخلات استخباراتية خارجية، وعلى رأسها الدور الإسرائيلي. حيث يُتهم جهاز «الموساد» بالعمل على التغلغل في المشهد الاحتجاجي كجزء من استراتيجية طويلة الأمد تعتمدها إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، تقوم على نقل المواجهة إلى العمق الإيراني، بعد أن تعذر حسمها عسكرياً أو سياسياً من الخارج.
يقدم الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم نظرة هادئة وواقعية على طبيعة الاحتجاجات الحالية، ومدى تأثيرها داخلياً وخارجياً، وانعكاساتها المحتملة على دور إيران الإقليمي ودعمها لقوى المقاومة، وذلك في حديث لـ .
يرى بيرم أن الاحتجاجات التي تشهدها إيران اليوم ليست حدثاً فريداً أو غير مسبوق، فقد واجه النظام الإيراني العديد من موجات الاحتجاج منذ تولي الإسلاميين السلطة. ويشير إلى وجود قوى داخلية معارضة للنظام تعمل باستمرار على استغلال نقاط الضعف داخل الدولة الإيرانية، وتسعى إلى استثمار المطالب الشعبية بهدف إعادة إبراز نفسها على الساحة السياسية.
ويؤكد بيرم أن ما يميز هذه الجولة من الاحتجاجات هو أنها أضعف حجماً وتأثيراً من سابقاتها، مشيراً إلى أن الانتفاضات التي شهدتها إيران في الماضي كانت أوسع نطاقاً وأكثر قوة، كما أن الحركات المعارضة للنظام آنذاك كانت أكثر تنظيماً وحضوراً. أما اليوم، فتبدو هذه القوى متعبة، بعيدة عن أوج قوتها، وتتحرك بدافع العجز واليأس أكثر من دافع الفعل والتأثير الحقيقي.
وبناءً على ذلك، يعتقد بيرم أن هذه الاحتجاجات لا تشكل خطراً حقيقياً على النظام الإيراني في الوقت الحالي، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، عدم لجوء السلطات إلى مستويات عالية من العنف في التعامل معها. ويعترف في المقابل بأن الوضع الاقتصادي في إيران صعب، نتيجة للعقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية، إلا أنه يلفت إلى أن أزمات اقتصادية مماثلة تصيب حتى دولاً كبرى مثل فرنسا وعدد من الدول الأوروبية، على الرغم من أنها لا تخضع لحصار أو عقوبات، متسائلاً: فكيف الحال بدولة تتعرض لضغوط اقتصادية خانقة كإيران؟
ويضيف بيرم أن إيران لا تواجه تحديات داخلية فحسب، بل تتعرض أيضاً لضغوط خارجية مكثفة، وإلى ما يشبه حرباً مفتوحة من قبل العدو الإسرائيلي بدعم أميركي، حيث شهدت استهدافات متواصلة على مدى 14 يوماً، في محاولة واضحة لإضعافها. ويذكر بأن شعار إسقاط النظام الإيراني هو هدف أميركي – إسرائيلي قديم، ومعلن منذ سنوات طويلة.
ورداً على سؤال حول ما إذا كان الوقت قد حان لتحقيق هذا الهدف، يستبعد بيرم هذا السيناريو، مشيراً إلى أن حتى التقارير الغربية نفسها لا تراهن على إمكانية إسقاط النظام من خلال هذه التظاهرات. ويشبه تأثير الاحتجاجات الحالية بأنه أشبه بـ”الصداع” بالنسبة للنظام، أي أنها قد تسبب له إزعاجاً وألماً مؤقتاً، لكنها لا تمتلك القدرة على إسقاطه أو «قطع رأسه».
أما فيما يتعلق بتأثير الواقع الإيراني الراهن على تمويل حزب الله وحركات المقاومة، فيؤكد بيرم أنه لا يرى أي تأثير يُذكر طالما بقيت الأمور ضمن إطارها الحالي، والتأثير الحقيقي لا يمكن أن يحصل إلا في حال سقوط النظام الإيراني، وهو سيناريو يعتبره مستبعداً في المدى المنظور، وفي هذه الحالة فقط قد يتأثر حزب الله بشكل مباشر.
ويلفت بيرم إلى أنه منذ اندلاع الحرب في غزة، ثم امتداد المواجهة إلى لبنان، كان هناك مسعى واضح لضرب كل أذرع إيران في الخارج. إلا أن طهران، في المقابل، تمسكت بما تبقى لديها من أوراق قوة، ولا سيما حزب الله والحوثيين، إضافة إلى بعض القوى العراقية، معتبراً أن هذه القوى تشكل ركائز أساسية في استراتيجيتها الإقليمية.
ويشدد على أن إيران، طالما بقي النظام قائماً، لن تتخلى عن هذه الأوراق، لأنها تشكل عناصر تحصين خارجية وأدوات ردع ونفوذ تحتاج إليها في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية. ولذلك، ستستمر في دعم حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والحوثيين، باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من منظومة قوتها، ما دام النظام الإيراني قائماً وقادراً على الاستمرار.