
في خضم الأحداث السياسية المتلاحقة والتصعيدات الأمنية في المنطقة، يثير اللقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تساؤلات جوهرية حول مسارات المرحلة القادمة، خاصة فيما يتعلق بإيران وغزة، وتأثير ذلك على لبنان. بين احتمالات الحرب وسياسات الاستنزاف، وبين الضغوط والتأجيل، تتلاقى المصالح الأميركية والإسرائيلية في نقاط معينة وتتباين في أخرى.
وفي هذا السياق، يقدم الخبير العسكري العميد المتقاعد بهاء حلال تحليلاً معمقاً لما جرى في كواليس هذا الاجتماع، واضعاً إياه في إطار إقليمي يشبه رقعة الشطرنج، حيث تُدار الصراعات بخيارات مدروسة، وتُؤجل المواجهات الكبرى في انتظار اللحظة السياسية المناسبة.
ويرى العميد حلال، في تصريح لموقع ، أن اللقاء الأخير، الذي يأتي بعد حوالي تسعة وعشرين شهراً في “رحاب الملك”، يمكن اعتباره بمثابة رقعة شطرنج موحدة، يجري فيها الحوار بين “البيادق” و”الملك” على نفس الرقعة، لكنه يؤكد أن قرار “البيدق” لا يمكن أن يتجاوز قرار “الملك”.
ويشير حلال إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو من وضع الأسس العامة للسياسة المتبعة وحدد أولوياتها بشكل واضح، مع إعطاء الأولوية لإيران، ثم غزة في المرتبة الثانية.
ويؤكد أن إيران كانت في صدارة الاهتمام، خاصة بعد الهجمات التي استهدفت منشآتها النووية وما تبعها من تجميد، ويرى أنه لو وافقت طهران على التفاوض في وقت سابق، وفقاً للمنظور الأميركي، لكان من الممكن تجنب هذه المرحلة. أما الآن، فإن أي محاولة لإعادة تفعيل المنشآت النووية ستؤدي حتماً إلى هجمات جديدة، وهو ما يهدد به ترامب. ومع ذلك، يستبعد حلال أن يكون الهدف هو إسقاط النظام الإيراني، لأن ذلك سيؤدي، برأيه، إلى فوضى عارمة في ظل اقتصاد متدهور، وفساد مستشر، وضغوط معيشية شديدة، واختلال اجتماعي عميق، مما قد يؤدي إلى انهيارات أكبر، بحسب الرئيس الأميركي، خاصة مع التراجع الكبير في قيمة العملة الإيرانية مقابل الدولار.
وانطلاقاً من هذا، يتوقف حلال عند الاضطرابات التي تشهدها إيران، والتي تتزامن مع اجتماع ترامب ونتنياهو، معتبراً أن هذا التزامن لا ينفصل عن سياسة الضغط المستمر على طهران.
أما غزة، فيضعها في المرتبة الثانية في هذا الترتيب الأميركي، ويشير حلال إلى أن جوهر النقاش يدور حول الانتقال إلى “المرحلة الثانية”، موضحاً أن بنيامين نتنياهو لا يفضل الانتقال إلى مرحلة جديدة في غزة، لأنه يفضل البقاء في موقع “مدير الاستنزاف”، مستفيداً من استمرار الحرب لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية في ظل تراجع شعبيته الداخلية. كما يسعى إلى تبرير هذا التأجيل بحجة استمرار العمليات العسكرية في الجنوب.
ويضيف العميد حلال أن “الانتقال إلى مرحلة جديدة يفرض على إسرائيل التزامات كبيرة، أبرزها فتح المعابر، والانسحاب من مساحات واسعة احتلتها خلال العمليات العسكرية، إضافة إلى طي صفحة الحرب المفتوحة على غزة، فما يُسمّى “المعركة بين الحروب” على غرار لبنان داخل غزة يبدو غير قابل للتطبيق عملياً”.
وفي هذا السياق، يفسر حلال ما نُقل عن المسؤولين الأميركيين على أنه منح هامش لنتنياهو في ملف غزة، مع التهديد الواضح بأن عدم تسليم السلاح ستكون له “أثمان باهظة”.
وبمقارنة الخطاب الأميركي تجاه حركة حماس بما قيل عن حزب الله، يلاحظ حلال تبايناً واضحاً في اللهجة، حيث وُجهت لحماس تهديدات مباشرة وصريحة، بينما اقتصر الكلام عن حزب الله على وصف عام بأن سلوكه “سيئ”، مع الإشارة إلى ضعف أو تراجع دور الحكومة اللبنانية، دون قرارات حاسمة أو تهديد بدفع أثمان باهظة كما حدث في حالة غزة.
ويلفت أيضاً إلى غياب أي إنذار مباشر للبنان على غرار ما وُجه إلى حماس، مما يعزز الاعتقاد بأن الملف اللبناني يُدار حالياً بمنطق “التأجيل”، وربما تحت عناوين إنسانية أو أمنية، بهدف ترحيل الاستحقاق إلى مرحلة لاحقة. ويرى في ذلك انسجاماً مع موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي تحدث عن “إبعاد شبح الحرب عن لبنان”.
في المقابل، يشير حلال إلى أن الجيش اللبناني يواجه تحديات كبيرة في تنفيذ المرحلة الأولى من مهمته، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لحوالي 24 أو 25 قرية، إضافة إلى تلال استراتيجية وأودية يُحتمل وجود منشآت عسكرية فيها، ولا يستطيع الجيش الوصول إليها، مما يعيق استكمال تنفيذ هذه المرحلة بالكامل.
ويذكر بأن الجيش اللبناني كان قد أعلن خطة لحصرية السلاح على خمس مراحل، تبدأ مرحلتها الأولى جنوب نهر الليطاني، مع احتواء السلاح في باقي المناطق، أي منع نقله أو استخدامه خارج إطار الدولة. أما المرحلة الثانية، فتبدأ شمال الليطاني، على أن تُستكمل المراحل اللاحقة تبعاً للتطورات السياسية والأمنية.
ويوضح أن الجيش لم يحدد حتى الآن “ساعة صفر” لبدء أي مرحلة أو لانتهائها، إذ إن بدء أي مرحلة مرتبط بانتهاء المرحلة السابقة، فيما يُحدد وقت الانتهاء حصراً عند إعلان الجيش ذلك رسمياً. وبناءً عليه، يبقى الجميع في حالة ترقب لما ستؤول إليه هذه الخطة وكيفية تطبيقها ميدانياً.
وفي خلاصة تقييمه، يرى العميد بهاء حلال أن المقاربة الدولية التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تختلف، بل تتعارض في بعض الجوانب، مع مقاربة نتنياهو. لذلك، لا يتوقع خطراً حقيقياً أو وشيكاً بتوسع الحرب في لبنان إلى مواجهة شاملة.
وبرأيه، فإن أقصى ما يمكن أن يحدث هو منح إسرائيل هامشاً محدوداً لتنفيذ ضربات أو قصف مواقع محددة، ضمن سقف واضح يقتصر على استهداف مراكز عسكرية بعينها، وفي إطار آليات الاشتباك القائمة، أي ضمن منطق “إدارة التصعيد” لا توسيعه.