مشروع "أخطر قانون مالي" يواجه مصيراً حاسماً في البرلمان... والنواب في اختبار صعب!

بعد أن أحال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع إلى مجلس النواب، دخل هذا الموضوع الحساس مرحلة تشريعية هامة. انتقل مركز الثقل وصنع القرار من السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية، وأصبح الأمر الآن بيد المجلس النيابي. هذا المشروع، الذي يعتبر من أهم القوانين المتعلقة بمصير أموال المودعين وإعادة تنظيم القطاع المالي، يفتح المجال لنقاش نيابي واسع حول كيفية التعامل مع الخسائر، وتحديد المسؤوليات، وآليات الاسترداد والمحاسبة.

وبناءً على هذه الإحالة، تظهر أسئلة أساسية حول المسار الذي سيسلكه المشروع داخل البرلمان، واللجان التي ستناقشه، والتعديلات المتوقعة، وما إذا كان المجلس سيتعامل معه كبداية حقيقية لإصلاح مالي، أم كمحطة أخرى في طريق التعطيل والتسويات.

أكد النائب ياسين ياسين، في حديث إلى ، أن المسار التشريعي للمشروع سيبدأ على الأرجح بإحالته إلى لجنة المال والموازنة، مع احتمال إحالته إلى لجنة مشتركة، لكنه يرى أن الوجهة الأساسية ستكون لجنة المال والموازنة، حيث من المتوقع أن يتم نقاش معمق حول المشروع من جميع جوانبه.

وأوضح ياسين أن دراسة القانون، من الناحية الشكلية، تبدأ حسب الأصول المتبعة، بقراءة أولى، ثم شرح الأسباب الموجبة، ثم مناقشة المواد واحدة تلو الأخرى، بدءاً بالتعريفات، ثم الإجراءات، ثم تنظيم الأصول، وصولاً إلى بنود الإصلاح.

وأشار إلى أن الحديث عن “تنظيم الأصول” يعني أن القانون يضع، بشكل عام، أسساً ومبادئ أساسية تشكل القاعدة لأي مسار إصلاحي.

وأضاف أن جوهر المشكلة يكمن في المضمون، مؤكداً أن هناك سبعة عناصر أساسية يجب تضمينها بشكل صريح في أي قانون ليتم إقراره:

– أولاً: ضرورة إجراء تدقيق جنائي شامل يواكب هذا القانون، بالإضافة إلى تدقيق مالي كامل.

– ثانياً: إرساء مبدأ المسؤولية القانونية على المصارف التي ارتكبت مخالفات أو تجاوزات مالية.

– ثالثاً: تجميد الحسابات المشبوهة، وخاصة تلك المرتبطة بتحويلات أو ممارسات غير قانونية.

– رابعاً: ضرورة محاسبة المسؤولين عن القروض التجارية التي تقدر قيمتها بنحو 35 مليار دولار، والتي استنزفت القطاع المالي بشكل كبير.

– خامساً: فرض غرامات واضحة على الهندسات المالية، وعلى كل من شارك فيها أو استفاد منها.

– سادساً: إقرار آليات محاسبة وتدقيق مسبقة قبل البدء بأي إجراءات لاحقة.

– سابعاً: الامتناع عن توزيع الخسائر قبل الانتهاء من التدقيق والمحاسبة بشكل كامل.

وشدد ياسين على أن الشرطين الأساسيين لأي إصلاح حقيقي هما التدقيق الجنائي والمحاسبة، موضحاً أنه بعد تثبيت هذين المبدأين يمكن الانتقال إلى ترتيب المسؤوليات بتسلسل واضح، يبدأ من الطرف الذي يتحمل المسؤولية الأولى، وصولاً إلى المستويات الأدنى، ضمن تسلسل قانوني عادل وشفاف.

وفيما يتعلق بصندوق النقد الدولي، أوضح ياسين أن الشرط الأساسي للصندوق هو عدم المساس بأصول الدولة اللبنانية، انطلاقاً من مبدأ أن أي برنامج دعم أو تمويل يجب ألا يكون على حساب هذه الأصول، لكنه حذر من أن المشكلة تكمن في أن هذا الخيار، إذا أدى إلى تحميل الشعب اللبناني أعباء إضافية، يعني عملياً نقل تكلفة الانهيار من المرتكبين إلى الناس، وهو أمر مرفوض تماماً.

وأشار إلى أن مضمون القانون واضح بالنسبة لهم، وأنهم يعرفون تماماً ما يريدونه منه، معتبراً أن تعديل المواد القانونية داخل لجنة المال والموازنة أمر طبيعي، خاصة وأن اللجنة تضم مختلف القوى السياسية الممثلة في البرلمان.

وأكد أن النقاش سيكون طويلاً ومعقداً، من حيث الشكل والمضمون، لأن الملف أساسي ومهم للغاية، ويمكن اعتباره نقطة تحول حقيقية. وقال ياسين إن لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما المضي قدماً نحو بناء دولة طبيعية، دولة سيادة ومؤسسات وإصلاح حقيقي، أو تكريس منطق الإفلات من العقاب مرة أخرى.

وأشار إلى أن الإصلاح المالي ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو جزء لا يتجزأ من مفهوم الدولة الطبيعية، حيث يخضع المسؤول للمساءلة.

واسترجع ياسين محطات من التاريخ اللبناني، مشيراً إلى أن البلاد شهدت أزمات متكررة، في ستينيات القرن الماضي، ثم في أواخر الثمانينيات، وبعدها في التسعينيات، وصولاً إلى الانهيار الكبير في عامي 2019 و2020.

واعتبر أن لبنان عالق في حلقة مفرغة تتكرر كل عشرين أو ثلاثين سنة، ولا يمكن كسرها إلا من خلال المحاسبة.

وأوضح أن الانهيارات المالية تحدث في جميع دول العالم، لكن الفرق يكمن في أن الدولة تحاسب، ومن خلال المحاسبة تستعاد الثقة.

وأضاف أن الهدف هو استعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني وبالدولة اللبنانية، وهذه الثقة لا تُبنى على تحميل الناس المسؤولية، بل على تحميلها لمن ارتكب الجرائم المالية.

وأشار ياسين إلى أن جرائم كبيرة ارتُكبت، أبرزها في ملف القروض التجارية التي بلغت نحو 35 مليار دولار، والتي تحولت في كثير من الحالات إلى مصدر إثراء غير مشروع، حيث انتقل أشخاص من حالة مديونية كبيرة إلى حالة ثراء مفاجئ، وهو أمر غير مقبول إطلاقاً.

كما شدد على أن المصارف التي استفادت من الفوائد العالية والهندسات المالية، وحققت أرباحاً طائلة نتيجة هذه العمليات، يجب أن تتحمل مسؤوليتها وأن تدفع الثمن.

وأكد ضرورة التمييز الواضح بين الأموال المشروعة وغير المشروعة، مشيراً إلى وجود أدوات قانونية ومالية تسمح بذلك، وتتيح تخفيف حجم الفجوة دون تحميل المودعين الخسائر، معتبراً أنهم لا يساوون بين مودع ومودع، ولا يشرّعون الفوضى أو الفساد، ولا يقبلون بمنطق “عفا الله عما مضى”، متسائلاً: بأي حق يُقال لمن هرب أمواله إلى الخارج بالدولار أو استفاد من منظومة الفساد “عفو الله وعفو الدولة”؟

واعتبر أن هذا الأمر مرفوض على الإطلاق، مشدداً على أن الدولة الطبيعية تبدأ بالمحاسبة، ومن دونها لا إصلاح ولا ثقة ولا نهوض اقتصادي.

وفيما يتعلق بالاستحقاق الانتخابي، رأى ياسين أنه من المعيب ربط الاستحقاق الانتخابي بمشاريع حيوية تهم الناس، مؤكداً أن أي شأن داخلي لبناني، مهما كان حجمه أو خطورته، يجب ألا يُستعمل ذريعة للتدخل في الانتخابات النيابية.

وأوضح أن الانتخابات يجب أن تُجرى في موعدها الدستوري دون أي تأجيل، لا تقني ولا سياسي، لأن أي تأجيل من هذا النوع لا مبرر له.

وقال: “لبنان أمام أزمة حقيقية عمرها ست سنوات على الأقل، وربما تمتد جذورها إلى عشر سنوات، وقد انكشفت بوضوح منذ ست سنوات، وكان يفترض معالجتها فوراً لا ترحيلها من استحقاق إلى آخر”.

واعتبر أن الحل لا يكمن في تأجيل الانتخابات، بل في تحديد المسؤوليات ومحاسبة المرتكبين”.

واختتم ياسين بالتشديد على أن الانتخابات ليست مسؤولة عن هذه الجرائم، ولا يجوز استخدامها كذريعة للتأجيل، مشيراً إلى أن استخدام ملف السلاح أو الأزمة المالية لتبرير تأجيل الانتخابات أمر مرفوض.

وشدد على أن احترام المواعيد الدستورية هو المدخل الأول لاستعادة الثقة، وأن أي مساس بها يضرب جوهر النظام الديمقراطي ويكرس ثقافة الإفلات من العقاب.