انتهاء ولاية حكومة نواف سلام

– محمد المدني

المراقب للساحة السياسية اليوم يدرك أن الأحداث لا تُقاس بمنطق إسقاط الحكومات أو استمرارها، بل بمنطق الدور السياسي والمدة الزمنية المتبقية لها. فحكومة الرئيس “نواف سلام” لم تنشأ أساسًا كحكومة ذات مشروع متكامل، بل كحكومة مرحلة مُكلّفة بتنفيذ مهام محددة، داخلية وخارجية، في فترة إقليمية ودولية حساسة. وعندما تُنجز هذه المهام، يبدأ بشكل طبيعي تراجع الدور، حتى لو لم يُعلن ذلك رسميًا.

منذ تشكيلها، بدت الحكومة مقيدة بسقف واضح، وهو إقرار التعيينات الأساسية، وتفعيل العلاقات مع الخارج، خاصة مع دول الخليج، وإحالة الملفات المالية المعقدة إلى مجلس النواب، وفي مقدمتها مشروع “الفجوة المالية”، وهذا ما تم حرفيًا.

المشروع المالي أُقرّ على مستوى الحكومة، ولكن بدون توافق وطني واسع، بل بأغلبية وزارية لا تعكس موازين القوى داخل مجلس النواب، ثم أُلقيت المسؤولية السياسية على عاتق المجلس، بكل ما يحمله من تناقضات سياسية وحسابات انتخابية.

في المقابل، شهدت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة ما يمكن وصفه بتفاهم غير مُعلن بين أطراف متناقضة في السياسة اللبنانية، “القوات اللبنانية” و”حزب الله” و”حركة أمل”. هذا التلاقي لم يكن نتيجة مصالحة وطنية أو تحول جذري في المواقف، بل تقاطع مصالح واضح عند نقطة الخطر. كل طرف حصل على ما يحتاجه من الحكومة، ثم بدأ الاستعداد للمرحلة القادمة.

“القوات اللبنانية”، على سبيل المثال، انسحبت من المشهد الحكومي وهي تحمل ورقة شعبية قيمة عنوانها حماية أموال المودعين، ونجحت في تسجيل موقف سياسي متقدم دون تحمل تكلفة إقرار قانون مالي غامض. أما الثنائي الشيعي، في المقابل، تجنب تحمل مسؤولية مباشرة في ملف حساس شعبيًا، وترك الحكومة تواجه الصدمة الأولى بمفردها. أما الحكومة نفسها، فبقيت في المنتصف، بدون أغلبية نيابية تحميها، وبدون غطاء سياسي شامل يدافع عنها.

هنا بالتحديد يبدأ العد التنازلي، ليس لوجود قرار بإسقاط الحكومة، أو لأن الشارع على وشك الثورة عليها، بل لأن الحكومة فقدت تدريجيًا عناصر القوة السياسية، وهي التوافق والحماية والقدرة على المبادرة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، يصبح من المستحيل تقريبًا إقرار قوانين مؤلمة أو اتخاذ قرارات كبيرة، بينما تتحول الحكومة إلى إدارة لتصريف الأعمال السياسية على نطاق واسع، لا أكثر. ولكن الأخطر أن الحكومة لا تُستهدف بشكل مباشر، بل تُترك بدون دعم. لا أحد يريد إسقاطها، ولا أحد مستعد للدفاع عنها. والخبرة اللبنانية تقول إن الحكومات لا تسقط دائمًا بالتصويت أو الاستقالة، بل أحيانًا تُستنزف وتفقد معناها، وتخرج من المشهد بهدوء.

بهذا المعنى، يمكن القول إن العد التنازلي السياسي لحكومة الرئيس “نواف سلام” قد بدأ بالفعل. ليس كحدث درامي، بل كمسار بطيء، ناتج عن انتهاء الدور، وتقديم الحسابات الانتخابية على أي مشروع إصلاحي حقيقي. وفي بلد كلبنان، عندما ينتهي دور الحكومة، لا يعود السؤال كم ستبقى، بل ما الذي سيأتي بعدها، وعلى أي أسس.