
:
بعد موافقة ثلاثة عشر وزيرًا ومعارضة تسعة في مجلس الوزراء على قانون الفجوة المالية، ينتظر القانون الآن إحالته إلى مجلس النواب لاتخاذ القرار النهائي، مما أثار نقاشًا واسعًا حول محتواه، وآلية الموافقة عليه، وتأثيره على المودعين والمالية العامة.
في هذا السياق، صرح النائب أديب عبد المسيح لـ بأن “الإشكالية الأساسية في هذا القانون تكمن في كونه غير قائم على بيانات علمية واضحة، معتبرًا أن النواب، أمام قانون بهذه الخطورة، يفترض أن يمتلكوا معطيات دقيقة وشاملة قبل إقراره، فهذا القانون مفصلي، كونه يرتبط مباشرة بأموال الناس وبأموال الدولة، ويرسم ملامح المالية العامة للبلاد على مدى العشرين سنة المقبلة”.
وأوضح عبد المسيح أن “أي قانون من هذا النوع يجب أن يُبنى على بيانات موثوقة تُقدَّم إلى المجلس النيابي، تشمل تدقيقًا جنائيًا وتدقيقًا محاسبيًا، إضافة إلى معطيات واضحة من المصارف وبيانات صادرة عن مصرف لبنان، والفريق النيابي يحتاج إلى الاطلاع على هذه المعطيات من أجل اتخاذ قرار مبني على أسس صحيحة، معتبرًا أن ما يُقدَّم اليوم لا يتعدّى كونه تقديرات قد تكون خاطئة”.
وأشار عبد المسيح إلى أن “القانون لم يلحظ أي استثناء عادل لصناديق المهن الحرة، مثل صناديق نقابات المهندسين والمحامين والأطباء وغيرها، مشددًا على وجود فرق جوهري بين مودع فرد يملك وديعة بقيمة 40 أو 50 مليون دولار، وبين صندوق يضم مئة ألف مهندس مثلًا وتبلغ ودائعه 500 مليون دولار”.
وشدد على أن “هذه الصناديق تؤثر بشكل مباشر على المجتمع، ولا يجوز التعامل معها بالطريقة نفسها المعتمدة مع المودع الفردي، معتبرًا أن التمييز بين المودع الطبيعي والمودع المعنوي كان ضروريًا، لا سيما في ما يتعلق بالصناديق”.
وفيما يتعلق بتوزيع الخسائر، طرح عبد المسيح سؤالًا أساسيًا حول تحديد المسؤولية، متسائلًا عمّن أساء إدارة الأزمة، ومن تسبب بها، ومن تواطأ فيها، مؤكدًا أنه “لا يمكن الخروج بحل لا يتضمن محاسبة واضحة، وكأن شيئًا لم يحصل”.
وأشار إلى مشكلة أساسية تتعلق بمصادر التمويل، متسائلًا عن مصدر السيولة اللازمة لتطبيق القانون، معتبرًا أن توفير السيولة يتطلب اقتصادًا منتجًا وتدفقًا حقيقيًا للأموال، وهو ما يستدعي بدوره دولة مستقرة، وإيجاد حلول لأزمات رئيسية مثل الكهرباء والاتصالات، بالإضافة إلى معالجة ملفات إعادة الإعمار، والدين العام والخارجي، وإعادة هيكلة الدين الداخلي، وملف اليوروبوند، مما يثير تساؤلات حول إمكانية تطبيق القانون.
وحذر عبد المسيح من “تكرار تجربة سلسلة الرتب والرواتب، حيث أُقرت قوانين من دون رؤية تنفيذية واضحة، فهذا القانون يُبنى اليوم على تصور اقتصادي افتراضي يمتد لأربع أو خمس سنوات، وكأن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية ستتغير فجأة وبشكل جذري، وهو افتراض غير واقعي برأيه”.
وأكد أن “التصور الاقتصادي المرتبط بالقانون غير عملي ولا يستند إلى أسس واقعية أو معطيات دقيقة، ما يجعل إقراره بهذه الصيغة بالغ الخطورة”.
وأضاف أن “هذا القانون قد يشكل خدمة فعلية لصندوق النقد الدولي، من خلال فتح الباب أمام قروض جديدة تؤدي إلى زيادة الديون من دون قدرة حقيقية على السداد، محذرًا من مخاطر هذا المسار وما قد يترتب عليه من سيناريوهات شبيهة بما حصل في دول أخرى”.
وفيما يتعلق بمصير القانون بعد إحالته إلى مجلس النواب، توقع عبد المسيح أن “تشهد المرحلة المقبلة عملية بيع وشراء سياسية، معتبرًا أن تمرير القانون، في حال حصل، قد يكون نتيجة مقايضات سياسية مرتبطة بمصالح انتخابية، لأن تمرير هذا القانون يتطلب ثمنًا سياسيًا كبيرًا، قد يكون من بين تداعياته التغاضي عن المحاسبة أو حتى تأجيل الانتخابات النيابية”.
وختم عبد المسيح بالقول إن “تمرير قانون الفجوة المالية لن يتم من دون مقابل واضح، متسائلًا عن طبيعة هذا المقابل، ومؤكدًا أن ما يجري يعكس عملية بيع وشراء سياسية واضحة حول هذا القانون”.