الحريري يضع تصورا للخلاص من الأزمة: "لا إصلاح مع هذه المنظومة"

كتب رجل الأعمال بهاء الحريري، اليوم الجمعة، في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”: “تنطلق رؤيتي لإنقاذ لبنان من قناعة حاسمة لا تحتمل التأويل: لبنان لن يُنقَذ بإدارة الانهيار، ولا بإعادة إنتاج المنظومة نفسها، ولا بتسويات ظرفية تُعقد فوق أنقاض الدولة. إن الإنقاذ يتطلّب خيارًا وطنيًا سياديًا واضحًا يقوم على إطلاق مشروع وطني جديد يعيد بناء الدولة من أساسها، دولة سيّدة، قادرة، وعادلة، تُحكم بالمؤسسات والقانون، لا بالأمر الواقع ولا بسياسات المحاور”.

كما أوضح أن مواقفه وتصريحاته السابقة تمثل الإطار الثابت لهذه الرؤية، مؤكداً أنها تضع مصلحة لبنان في المقام الأول، وتعتبر استعادة القرار الوطني المستقل مرتبطة بإعادة الاعتبار للدستور والمؤسسات، بالإضافة إلى إرساء الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال تطبيق اتفاق الطائف بكل تفاصيله وبنوده، معتبراً ذلك شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة على الصعيدين الداخلي والدولي، وإعادة لبنان إلى مكانته الطبيعية كدولة فاعلة وليست مجرد ساحة مستباحة.

ولفت الحريري إلى أن لبنان وصل إلى مرحلة بالغة الخطورة، وأن الخطر لم يعد مقتصراً على الانهيار الاقتصادي أو الإفلاس المالي أو التفكك الاجتماعي، بل أصبح يهدد الكيان اللبناني نفسه وهويته ودوره ومستقبله سياسياً وسيادياً. ورأى أن الوضع الحالي في لبنان هو نتيجة حتمية لفشل المنظومة الحاكمة بشكل كامل وممنهج، مشيراً إلى أنها أثبتت عجزها عن إدارة شؤون الدولة، وأنها تخضع لمصالح ضيقة وترتهن لمحاور خارجية على حساب المصلحة الوطنية العليا.

وأكد أن هذه المنظومة قد سقطت سياسياً وأخلاقياً ووظيفياً، وذلك لأنها لم تحافظ على الدولة، ولم تعمل على بناء المؤسسات، ولم تصن الدستور، ولم تحترم إرادة الشعب اللبناني، بل قادت البلاد إلى الهاوية، ثم سعت إلى إبرام تسويات مشبوهة للتغطية على فشلها بدلاً من محاسبة نفسها.

ويرى الحريري أن الأمر الأكثر خطورة هو أن المنظومة الحاكمة لا تكتفي بعجزها، بل تسعى بشكل متعمد إلى دفع لبنان نحو تغيير استراتيجي خطير، وذلك من خلال محاولة إخراجه من محيطه العربي والدولي الطبيعي، ودفعه إلى محور جديد ترفضه غالبية الشعب اللبناني، وذلك بعد سنوات من استنزاف لبنان داخل المحور الإيراني وتحت شعارات تبين زيفها وتسببت في أضرار كارثية.

وأضاف أن محاولات تمرير سياسات مصيرية دون تفويض شعبي أو وطني، سواء من خلال فتح قنوات تفاوض أمني وسياسي واقتصادي مباشرة أو غير مباشرة مع العدو الإسرائيلي، أو من خلال إعادة تشكيل موقع لبنان الإقليمي، تجري في ظل دولة منهارة ومؤسسات مشلولة وبرلمان فاقد للثقة وحكومة عاجزة عن تلبية أبسط احتياجات المواطنين، مؤكداً أن هذا ليس قرار دولة، بل هو تصرف من منظومة تعاني من أزمة وتبحث عن شرعية بديلة.

وفي هذا السياق، شدد على أن الإيمان بالسلام يمثل رؤية استراتيجية نابعة من مصلحة لبنان والمنطقة، لكنه أكد رفضه لأي سلام شكلي أو مفروض تحت الضغط أو الابتزاز أو اختلال موازين القوى. واعتبر أن السلام المنشود يجب أن يكون عادلاً ومتوازناً وغير قسري، ولا يُفرض كأمر واقع ولا يُستخدم كغطاء لتكريس اختلالات سياسية أو تقليل الحقوق السيادية والوطنية، بل يتم بناؤه من خلال التنسيق والتكامل الكامل مع الأشقاء في المنطقة والعالم العربي، وفي مقدمتهم تركيا، ودول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وسوريا، والأردن، والعراق، انطلاقاً من أن الاستقرار الإقليمي هو كل لا يتجزأ.

وأوضح أنه يرفض منطق السلام القائم على القوة القاهرة وفرض الأمر الواقع بالقوة، ويؤمن بأن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال إحقاق الحق واحترام السيادة ومعالجة جذور النزاعات، وليس من خلال إدارتها أو تجميدها مؤقتًا، معتبراً أن السلام الحقيقي يفتح الباب أمام إنهاء دوّامات الصراع ووضع المنطقة على طريق التطور والتحديث والتنمية المستدامة.

وأشار إلى أن أي مقاربة لبنانية لمسألة السلام يجب أن تكون جزءًا من رؤية سياسية شاملة، لا صفقة ظرفية ولا مسارًا منفردًا ولا نتيجة ضغوط، بل خيارًا سياديًا مدروسًا يهدف إلى حماية لبنان وتثبيت استقراره وتمكينه من لعب دوره الطبيعي عربيًا ودوليًا.

وصرح الحريري بأن تقييمه القاطع هو أن المجتمع الدولي لن يتعامل مع لبنان بجدية طالما أنه خاضع لحكم هذه المنظومة، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي لم يعد يثق بالوعود ولا بالمناورات ولا بالخطابات المزدوجة، وأن الدعم الخارجي لن يأتي إلى دولة مختطفة أو سلطة عاجزة أو مشروع يفتقر إلى السيادة والشفافية والشرعية الشعبية.

وأضاف بوضوح: “لا إصلاح مع هذه المنظومة، لا إنقاذ مع من أوصلوا لبنان إلى الانهيار، لا سيادة مع سلاح خارج الدولة، ولا دولة مع سياسة المحاور”.

واختتم الحريري حديثه بالتأكيد على أن لبنان بحاجة إلى مشروع وطني جديد، مشروع دولة حقيقية، دولة مؤسسات وقانون وحياد إيجابي فاعل، دولة قرارها بيدها وحدها، لا بيد أي محور أو وصاية أو قوة أمر واقع. كما شدد على أن استمرار الصمت أو التواطؤ أو المسايرة لم يعد خيارًا، وأن اللبنانيين لن يدفعوا مرة جديدة ثمن تسويات فاشلة تُعقد فوق رؤوسهم.

ودعا جميع اللبنانيين الأحرار في الداخل والخارج إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية، وكسر حاجز الخوف، ورفض الأمر الواقع، والعمل الجاد والمنظم في إطار القانون وبموجب الدستور واتفاق الطائف لإنتاج قيادة وطنية جديدة ونظيفة ومستقلة وقادرة على استعادة الدولة، لا إدارتها بالوكالة عن الآخرين.

وفي ختام منشوره، تمنى للشعب اللبناني أصدق التمنيات بمناسبة الأعياد المجيدة وحلول السنة الجديدة، معتبراً أن اللبنانيين الذين صمدوا رغم الألم يستحقون أن يعيشوا بسلام وأن تعود البسمة إلى بيوتهم، معرباً عن أمله في أن تكون السنة الجديدة بداية مسار يعيد الكرامة والاستقرار والفرح، ويضع لبنان أخيرًا على طريق الدولة والعدالة والمستقبل الذي يليق بتضحيات شعبه، خاتمًا بالقول: “لبنان يستحق دولة… والتاريخ لن يرحم”.