
«أبو عمر»… الأمير الوهمي الذي اخترق السياسة اللبنانية من باب الوهم والمال
لم يكن ملف «أبو عمر» مجرّد حادثة انتحال صفة أو عملية احتيال فردية، بل تحوّل، مع انكشاف تفاصيله، إلى فضيحة سياسية مكتملة الأركان، كشفت حجم الخلل في طريقة تعاطي جزء من الطبقة السياسية اللبنانية مع الخارج، واستعداد بعض الشخصيات لتصديق «تفويضات» وهمية وبناء مواقف وقرارات عليها.
من هو «أبو عمر»؟ الاسم، الصفة، والحقيقة
بحسب المعلومات المتقاطعة التي كُشفت إعلاميًا، فإن «أبو عمر» هو مصطفى الحسيان من منطقة وادي خالد – عكّار، يعمل حدّاد سيارات، نجح في انتحال صفة مسؤول أمني رفيع في الديوان الملكي السعودي، مستفيدًا من:
- لهجة سعودية متقنة
- أرقام هاتف سعودية
- معرفة دقيقة بتفاصيل سياسية وشخصية
هذا الشخص قدّم نفسه على أنه عرّاب سعودي في لبنان، قادر على:
- التأثير في الانتخابات النيابية
- ترتيب لقاءات في المملكة
- إعطاء «توجيهات» في الاستحقاقات الكبرى
دور القاضي خلدون عريمط: حلقة الوصل
ما يجعل القضية أكثر خطورة، هو ما أفادت به شهادات متضرّرين وتقارير إعلامية عن تورّط القاضي الشرعي السابق خلدون عريمط في هذا الملف، بوصفه:
- الشخص الذي تم التواصل معه أولًا
- حلقة الوصل بين «أبو عمر» والسياسيين
- الاسم الذي كان يُطلب من الجميع «عدم إزعاجه»
وتكرّرت في أكثر من شهادة العبارة نفسها:
«ديروا بالكم على سماحة القاضي… وما تزعلوه»
كيف اخترق «أبو عمر» الطبقة السياسية؟
بحسب المعطيات:
- أجرى «أبو عمر» اتصالات مباشرة مع نواب ووزراء ورؤساء حكومات
- أعطى تعليمات واضحة تتعلّق بالتصويت، والحضور، وتغيير المواقف في الاستشارات الحكومية
ويقال ان ضعطه على بعض النواب قلب نتيجة الاستشارات لصالح نواف سلام على حساب نجيب ميقاتي في اللحظات الاخيرة - تم التعامل معه على أنه مرجعية سعودية فعلية
وبحسب ما نُقل في تسجيلات متداولة، وصلت هذه الاتصالات إلى حد:
- الشتم
- التهديد
- إعطاء أوامر على مكبّر الصوت أمام نواب آخرين
الأسماء التي وردت في الملف
بحسب الشهادات الإعلامية التي تناولت الملف، فإن التواصل شمل شخصيات سياسية بارزة، من بينها:
- نجيب ميقاتي
- فؤاد السنيورة
- بهية الحريري
- فؤاد مخزومي
- محمد شقير
- ميشال فرعون
- سمير جعجع
- إضافة إلى نواب من القوات اللبنانية
⚠️ هذه الأسماء وردت في سياق التواصل أو محاولة التواصل، كما نُقل إعلاميًا، وليس كإدانة قضائية.
المال… جوهر الفضيحة
تشير المعلومات المتداولة إلى أن عدداً من الشخصيات:
- دفع مبالغ مالية ضخمة
- أو قدّم هدايا فاخرة
ومن بين الأرقام التي وردت:
- 800 ألف دولار قيل إنها دُفعت من قبل محمد شقير
- مليون دولار قيل إنها دُفعت من قبل فؤاد مخزومي
- تقديم سيارات فخمة
- تخصيص معاش شهري من وزير سابق
وذلك مقابل:
- وعود بلقاءات رفيعة في السعودية
- دعم سياسي مزعوم
- أو تسويق ترشيحات وتكليفات
مشهد التعزية الذي أسقط القناع
اللحظة المفصلية في الملف تمثّلت باتصال «أبو عمر» لتقديم التعازي باسم الديوان الملكي السعودي للسيدة بهية الحريري.
الرئيس فؤاد السنيورة، الموجود في مجلس العزاء، سلّم الهاتف للسيدة الحريري، التي استغربت فورًا أسلوب الاتصال، وقررت التواصل مباشرة مع وليد البخاري.
الرد جاء حاسمًا:
- لا وجود لهذه الشخصية
- لا قناة رسمية خارج السفير والمبعوث
- ولا علاقة للمملكة بهذا الاتصال
من هنا، بدأ انكشاف القضية رسميًا.
التدخل السعودي وسقوط الكذبة
بحسب مصادر مطّلعة، تزامن سقوط كذبة «الأمير الوهمي» مع زيارة الموفد السعودي إلى لبنان يزيد بن فرحان، حيث جرى وضع الملف بعهدة الأجهزة اللبنانية المختصة.
وأبدى الجانب السعودي استغرابًا شديدًا من تعاطي شخصيات لبنانية مع شخصية وهمية، في ظل وجود:
- سفير سعودي معتمد
- مبعوث رسمي بصلاحيات كاملة
كما أشارت المصادر إلى أن لائحة بأسماء السياسيين الذين تواصلوا مع «أبو عمر» باتت بعهدة الموفد السعودي.
الداتا أخطر من الاحتيال
أخطر ما في الملف ليس المال فقط، بل المعلومات.
كيف عرف «أبو عمر»:
- أماكن جلوس شخصيات سياسية في مجالس العزاء؟
- مواعيد اجتماعات نيابية؟
- من سيحضر ومن سيغيب؟
هذا المستوى من الدقة يطرح سؤالًا جوهريًا:
هل كان «أبو عمر» يعمل وحده؟ أم أن هناك من زوّده بالمعلومات؟
الخلاصة: ماذا كُشف؟
قضية «أبو عمر» كشفت:
- استعداد بعض السياسيين لتجاوز القنوات الرسمية
- هشاشة مفهوم السيادة في الممارسة
- سطحية الزعماء اللبنانيين
- قابلية تصديق الوهم الخارجي
- خطورة الفراغ السياسي في بعض البيئات
لم يسقط شخص واحد،
بل سقط نموذج كامل من العمل السياسي القائم على الوهم.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيُستكمل هذا الملف قضائيًا؟
أم سيُطوى كما طُويت ملفات أخطر منه؟