
يتقدّم المسار السياسي – الدبلوماسي جنبًا إلى جنب مع المسار الأمني في الجنوب، في مشهد يعكس الترابط الوثيق بين تثبيت الاستقرار الميداني وإطلاق مسار الدعم الدولي للبنان. وفي هذا السياق، برز تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني كخطوة محسوبة، مرتبطة مباشرة بانتظار نتائج اجتماعات مفصلية مرتقبة، في طليعتها اجتماع لجنة «الميكانيزم» المقرّر في 19 من الشهر الجاري، يسبقه اجتماع تمهيدي في باريس في 18 منه.
ويُنظر إلى هذين الاستحقاقين على أنهما محطتان حاسمتان لتحديد اتجاه المرحلة المقبلة، سواء لجهة تثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، أو لفتح الباب أمام دعم فعلي للجيش اللبناني والشروع في مسار إعادة الإعمار.
تبدّل في الأولويات الدولية
يوضح الخبير العسكري العميد المتقاعد أندريه أبو معشر أنّ مؤتمر دعم الجيش كان مقررًا خلال هذا الشهر، إلا أنّ قرار تأجيله إلى الشهر المقبل يعكس تبدّلًا واضحًا في ترتيب الأولويات الدولية، ولا سيما مع إدراج اجتماع «الميكانيزم» في صدارة الاهتمام.
ويرى أنّ هذا التغيير يحمل دلالة أساسية، مفادها أنّ أي انفراج على صعيد التفاوض غير المباشر، سواء في ما يتعلّق بالتزام إسرائيل بوقف الاعتداءات أو معالجة النقاط الخلافية العالقة، سينعكس تلقائيًا وبصورة إيجابية على ملف دعم الجيش اللبناني. ومن هنا، جاء قرار تأجيل المؤتمر إلى ما بعد هذا الاجتماع المفصلي، الذي يُعوّل عليه لوضع الحل على المسار الصحيح.
اجتماع باريس… تمهيد لما بعده
أما اجتماع باريس المقرّر في 18 الجاري، فيُنظر إليه على أنه اجتماع تحضيري يهدف إلى تهيئة الأرضية السياسية والدبلوماسية لمؤتمر دعم الجيش. ويشير أبو معشر إلى أنّ مؤشرات إيجابية بدأت بالظهور، خصوصًا بعد تعيين السفير سيمون كرم في لجنة «الميكانيزم»، ما يُعدّ خطوة تعكس رغبة في تفعيل دور اللجنة وإعطائها زخمًا جديدًا.
تحوّل أميركي وسعودي محسوب
ويلفت أبو معشر إلى تسجيل تحوّل إيجابي في الموقف الأميركي، وهو ما يشكّل عنصرًا مشجعًا، يقابله أيضًا تبدّل في المقاربة السعودية. فالمملكة، التي كانت تشترط في السابق التزامًا كاملًا ومسبقًا قبل البحث في أي دعم للجيش أو إعادة الإعمار، باتت اليوم أكثر استعدادًا للاستماع ومواكبة النقاشات، وإن كانت لا تزال حذرة.
ويؤكد أنّ هذا الانفتاح لا يعني إطلاق الدعم فورًا، إذ لا إنفاق من الدول الشقيقة أو من المجتمع الدولي ما لم يلتزم لبنان بتنفيذ المطلوب منه عمليًا. ويشير إلى أنّ لبنان يُبدي حاليًا التزامًا واضحًا، إلا أنّ نقطة التحوّل الأساسية تبقى في اجتماع 19 الجاري، وما قد ينتج عنه من قدرة على إقناع إسرائيل بضرورة وقف الاعتداءات، والانسحاب، ووقف جميع الأعمال القتالية.
الميكانيزم واتفاق وقف النار
ويشدّد أبو معشر على أنّ لجنة «الميكانيزم» أُنشئت أساسًا بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وأنّ البند الأول في هذا الاتفاق هو وقف العمليات القتالية. وبالتالي، فإن أي بحث في استكمال تنفيذ الاتفاق يجب أن ينطلق من هذا الأساس الجوهري، معتبرًا أنّ لبنان جاهز للالتزام الكامل متى التزمت إسرائيل بذلك.
الوضع الميداني جنوب الليطاني
وعلى المستوى الميداني، يؤكد أبو معشر أنّ الجيش اللبناني ينفّذ مهامه جنوب الليطاني من دون أي عوائق، مشيرًا إلى عدم تسجيل أي إشكالات مع حزب الله في هذا الإطار. ويضيف أنّ لدى الحزب قناعة واضحة بأنّ المنطقة الواقعة جنوب الليطاني ستكون خالية من السلاح، بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الحالية.
العقدة شمال الليطاني
غير أنّ الإشكالية الأساسية، وفق أبو معشر، تبقى شمال الليطاني، حيث يتطلّب الأمر التوصل إلى تفاهم أو اتفاق واضح، نظرًا لحساسية هذا الملف وارتباطه المباشر بتطبيق القرار 1701، ووقف العمليات القتالية، والالتزامات الدولية التي تعهّد بها لبنان.
ويختم بالتأكيد أنّ المرحلة المقبلة ستكون حاسمة ودقيقة، وأنّ أي انفراج محتمل سيبقى مشروطًا بترجمة سياسية وأمنية ملموسة على الأرض، لا بالاكتفاء بالوعود أو المؤشرات الإيجابية.