في خطوة تاريخية، أقرت أستراليا قرارًا بحظر استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على الأطفال دون سن 16 عامًا. وتوضح الحكومة أن هذا الإجراء يهدف إلى حماية القاصرين من خوارزميات المنصات التي تعرض محتويات غير ملائمة وتشجع على “التمرير اللانهائي” أو ما يعرف بالـ “doomscrolling”.
أثار هذا القرار، الذي يعد الأول من نوعه بهذا الحجم، اهتمامًا عالميًا واسعًا. وأعلنت عدة دول عن نيتها أن تحذو حذو أستراليا، مع تعديلات طفيفة في سن الحظر أو إمكانية منح الأهل إذنًا مبكرًا. وتشمل هذه الدول “فرنسا وإسبانيا والنرويج والدنمارك”، كما دعا “البرلمان الأوروبي” إلى إصدار تشريع مماثل. وخارج أوروبا، تدرس “نيوزيلندا وماليزيا والهند وباكستان” اتخاذ إجراءات مماثلة.
توتر دبلوماسي مع الولايات المتحدة
يستهدف القرار الأسترالي عشر منصات رئيسية: Kick، Threads، Facebook، Snapchat، Instagram، TikTok، X، Reddit، Twitch وYouTube. وباستثناء Kick وTikTok، فإن جميع هذه الشركات أمريكية، وهو ما أثار استياء كبار المسؤولين التنفيذيين فيها، ودفعهم إلى مطالبة الإدارة الأمريكية بالضغط على كانبرا.
وقد صرّح الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بأن بلاده “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الاستهداف غير العادل للشركات التكنولوجية الأمريكية”، معتبراً أن القيود الأسترالية تتعارض مع “حرية التعبير”. ورأى مراقبون أن هذا الموقف يمثل محاولة لحماية مصالح أصحاب المليارات على حساب رفاهية الأطفال.
وتظهر بيانات حديثة تدهورًا كبيرًا في الصحة النفسية لدى الشباب منذ عام 2010، بالتزامن مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي. وفي أستراليا، كشفت دراسة نشرت في The Australian Economic Review أن الفترة بين عامي 2019 و2022 شهدت زيادة بنسبة 50٪ في الاضطرابات النفسية بين الشباب مقارنة بالفترة بين عامي 2007 و2010، بالإضافة إلى ارتفاع بنسبة 35٪ في حالات التنويم بسبب إيذاء النفس، وزيادة بنسبة 34٪ في معدلات الانتحار.
وعلى الصعيد العالمي، تشير دراسة في British Journal of Clinical Psychology إلى ارتفاع نسبة الأعراض الاكتئابية من 24٪ (2001–2010) إلى 37٪ (2011–2020).
ومع ذلك، تظل العلاقة بين هذه الظواهر واستخدام منصات التواصل غير مؤكدة. فمراجعة منهجية شملت 143 دراسة من جامعة كامبريدج (2024) وجدت ارتباطًا بين استخدام المراهقين لهذه المنصات وظهور أعراض نفسية داخلية مثل القلق والاكتئاب، لكنه ارتباط ضعيف يتراوح بين 0.08 إلى 0.12، وهو ما لا يكفي لاعتباره دليلًا قاطعًا على وجود علاقة سببية.
ويشير خبراء إلى أن المستخدمين الذين يعانون من مشاكل نفسية قد يتفاعلون مع المنصات بطريقة مختلفة، وهو ما قد يفسر جزءًا من هذا الارتباط المرصود.
هل ستكون الخطوة كافية؟
يعتقد متخصصون أن التشريع الأسترالي قد يساهم في تحسين صحة المراهقين، ولكنه أيضًا يمثل فرصة نادرة للعلماء لقياس التأثير الحقيقي للحد من استخدام الشبكات. ومع ذلك، يكمن القلق في أن تعتبر الحكومات هذه الخطوة “حلًا سحريًا” وتتجاهل العوامل الأخرى التي تؤثر على الصحة النفسية، مثل الظروف الاقتصادية، والقلق المناخي، والضغوط السياسية.
وعلى الرغم من أن نتائج هذا القرار لن تظهر إلا بعد سنوات، فإن الجدل العالمي حول دور التكنولوجيا في حياة الشباب لا يزال مستمرًا، بينما تراقب دول عديدة التجربة الأسترالية عن كثب.
