
بدأت النيابة العامة المالية مسارًا قضائيًا جديدًا يطال رؤساء ومدراء المصارف المتورطين في تحويل الأموال إلى الخارج خلال مرحلة الانهيار الاقتصادي بين عامي 2019 و2023، وهي المرحلة التي شهدت أشدّ أزمة مالية في تاريخ لبنان الحديث. وقد تلاقى هذا المسار مع خطوة داعمة من مصرف لبنان الذي أصدر تعميمًا ملزمًا للمصارف بضرورة الامتثال لطلبات القضاء وتزويد البنك المركزي بكافة البيانات المطلوبة.
تعميم من مصرف لبنان يفرض الالتزام الكامل
وجّه حاكم مصرف لبنان تعميمًا إلى جميع المصارف التجارية، استند فيه إلى أحكام قانون السرية المصرفية لعام 1956 وتعديلاته، وإلى القرار الأساسي رقم 13768 (تعميم 171) المتعلق بطلبات رفع السرية المصرفية.
وأشار التعميم إلى كتاب النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو رقم 225/2023 الصادر في 18 تشرين الثاني 2025، مطالبًا المصارف بما يلي:
- تنفيذ مضمونه كاملًا دون أي تأخير غير مبرّر.
- تسليم المعلومات المطلوبة بمفتاح USB مشفّر، على أن يُرسل رمز فتحه في كتاب منفصل.
- التقيّد بالإجراءات الاحترازية المنصوص عليها في التعميم 171 لضمان سرية وأمن المعلومات.
- إيداع نسخة كاملة من البيانات لدى حاكم مصرف لبنان خلال المهلة المحددة.
ويعكس هذا الإجراء توجّهًا واضحًا نحو فتح ملفات حساسة لطالما اعتُبرت من المناطق الرمادية في النظام المصرفي اللبناني.
النيابة العامة تطلب كشفًا شاملًا بحركة الحسابات
في كتابه إلى حاكم مصرف لبنان بتاريخ 18 تشرين الثاني، تحدث القاضي ماهر شعيتو عن اشتباه بارتكاب جرائم جزائية، من بينها جرائم مصرفية، وطالب بالحصول على:
1. كشف مفصل بالحسابات المصرفية لجهات محددة:
- رؤساء مجالس إدارة المصارف (سابقين وحاليين)
- أعضاء مجالس الإدارة
- المدراء العامون ومدراء الفروع والمفوّضون بالتوقيع
- أزواجهم وأولادهم
2. تفاصيل كل التحويلات إلى الخارج بين 1 تموز 2019 و1 كانون الأول 2023:
- قيمة كل تحويل
- تاريخ التحويل
- الجهة التي حُوّلت إليها الأموال
- تاريخ إيداع الأموال المحوّلة في الحسابات داخل لبنان
- هوية صاحب الحساب وصفته داخل المصرف
- التبرير القانوني الذي ورد في متن التحويل
3. تتبّع التحويلات الداخلية التي تلاها تحويل خارجي
أي تحويلات جرت داخل لبنان من حسابات هؤلاء، ثم جرى نقلها مجددًا إلى حسابات خارجية خلال الفترة المحددة.
هذا الطلب يعني، للمرة الأولى، إجراء مسح دقيق وشامل للطبقة المصرفية التي كانت في موقع مسؤولية خلال بدايات الانهيار.
مصرفيون تحت الضغط… وهواجس تتصاعد
يطرح المسار القضائي الجديد تساؤلات كبيرة داخل الأوساط المصرفية، حيث بدأ عدد من رؤساء المصارف ومديريها «يتحسّسون رؤوسهم» إثر توسّع التحقيقات التي قد تؤدي إلى:
- كشف حجم الأموال التي هُرّبت من لبنان خلال الانهيار
- تحديد المسؤوليات الفردية للمصرفيين
- فتح الباب أمام محاكمات محتملة
- إعادة رسم مشهد القطاع المصرفي برمّته
ومع أنّ هذه الإجراءات تبدو غير مسبوقة في تاريخ لبنان، يبرز سؤال أساسي:
هل ستصل التحقيقات إلى خواتيمها لكشف مصير الأموال المهرّبة واستعادة جزء منها؟
ذلك سيعتمد، وفق مصادر قانونية، على:
- مدى تعاون المصارف مع المصرف المركزي
- جدّية النيابة العامة في استكمال الملاحقات
- الإرادة السياسية في ترك هذا الملف يسير حتى نهايته
- وقدرة القضاء على مواجهة الضغوط المتوقعة من أصحاب النفوذ المالي والمصرفي