البحر الأسود: تداعيات الأزمة على الأمن الغذائي العالمي وتأثيرها على لبنان

لبنان اليوم

تشهد أسعار أقساط التأمين الحربي على سفن الشحن ارتفاعًا ملحوظًا في منطقة البحر الأسود، وذلك نتيجة لتزايد المخاطر في الممرات الملاحية جراء الحرب الروسية الأوكرانية. ووفقًا لمصادر نقلتها “رويترز”، فإن شركات التأمين تعيد تقييم مستوى التهديد في أعقاب سلسلة من الهجمات التي استهدفت ناقلات ذات صلة بروسيا خلال الأيام القليلة الماضية.

البحر الأسود يعتبر ممرًا حيويًا لنقل الحبوب والنفط والأسمدة إلى مختلف أنحاء العالم، وأي تعطيل فيه ستكون له تداعيات عالمية مباشرة. يمتد البحر على مساحة تقارب 400 ألف كيلومتر مربع، وتتقاسمه ست دول هي: تركيا، وبلغاريا، ورومانيا، وأوكرانيا، وروسيا، وجورجيا. ويحظى البحر بأهمية استراتيجية كبيرة، حيث يمثل نقطة وصل بين جنوب شرق أوروبا وغرب آسيا، بالإضافة إلى كونه طريقًا رئيسيًا لنقل الطاقة والتجارة إلى أوروبا.

وقد حذّر وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” من أن الهجمات الأخيرة توسّع رقعة الحرب وتهدد سلامة الملاحة في المنطقة. وتخضع السفن المتجهة إلى الموانئ الروسية أو الأوكرانية لتأمين حرب إضافي يتم تجديده أسبوعيًا. كما أشار الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إلى احتمال الرد على هذه الهجمات، ملمحًا إلى إمكانية اتخاذ إجراءات ضد السفن التي تقدم الدعم لأوكرانيا.

وبحسب “الدكتور وسام ناجي” المتخصص في النقل البحري الدولي، فإن الهجمات التي طالت سفنًا في المنطقة أدت إلى تعطيل جزئي لصادرات النفط الروسي والحبوب الأوكرانية. وتُعد كل من الصين والهند وتركيا أكبر مستوردي النفط الروسي بعد توقف معظم صادراته إلى الاتحاد الأوروبي. فمنذ بداية الحرب، أصبحت الصين المستورد الأول للطاقة الروسية بقيمة واردات بلغت نحو 219.5 مليار دولار، تليها الهند بـ133 مليار دولار، ثم تركيا بنحو 90.3 مليار دولار.

وكانت روسيا قد أعلنت عن تعليق تصدير النفط من ميناء نوفوروسيسك بعد تعرضه لهجوم بطائرات مسيّرة. ويوضح “ناجي” لـ لبنان24 أن هذه الهجمات أدت إلى تراجع اهتمام المشغلين اليونانيين بنقل النفط الروسي، الأمر الذي دفع موسكو إلى الاعتماد بشكل أكبر على نقل النفط من سفينة إلى أخرى، مما أطال مسار الإمداد وزمن وصول الشحنات.

ويرى “ناجي” أن تصاعد المخاطر أدى إلى قفزة كبيرة في أسعار التأمين على السفن في البحر الأسود، حيث ارتفعت بأكثر من 250% لتصل في بعض الأحيان إلى 1% من قيمة السفينة، بعد أن كانت تتراوح سابقًا بين 0.25% و0.3%.

وتعتقد شركات التأمين أن استمرار الهجمات قد يتسبب في مزيد من الارتفاع في الأقساط، وربما توسيع نطاق المناطق المصنفة عالية المخاطر. وقد دعت تركيا جميع الأطراف إلى إبقاء البنية التحتية للطاقة بعيدة عن دائرة الصراع لضمان استمرار تدفق الإمدادات. وتشير تقارير أمنية بريطانية إلى وجود ارتفاع كبير في مستوى التهديد الذي تتعرض له السفن التي تزور الموانئ الروسية والأوكرانية، مع توصية بإجراء فحوص دقيقة لهياكل السفن خوفًا من وجود ألغام لاصقة.

وتحتل أوكرانيا مكانة هامة في سوق الحبوب العالمي، حيث توفر 46% من صادرات زيت دوار الشمس، و17% من الشعير، و12% من الذرة، و9% من القمح، بالإضافة إلى دورها كمورد أساسـي للأسمدة. ويتم نقل 90% من هذه الصادرات بحرًا، مما يجعل أي إغلاق للبحر الأسود، بحسب قراءة “ناجي”، عاملاً مباشرًا في ارتفاع الأسعار عالميًا وفي تهديد الأمن الغذائي، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويوضح المتخصص في النقل البري أن هذه الاضطرابات تنعكس في عدة جوانب، أبرزها:

1. ارتفاع الأسعار عالميًا بسبب توقف نحو 20 مليون طن من القمح الأوكراني عن الوصول إلى الأسواق.

2. تفاقم التحديات الغذائية لدى الدول التي تعتمد على الحبوب الروسية والأوكرانية.

3. محاولات أوكرانيا لزيادة التصدير في موسم 2025/2026 لتخفيف الضغط على الأسعار.

4. استمرار المخاطر الجيوسياسية التي تبقي احتمالات الإغلاق وتقلب الأسعار قائمة.

ويؤكد “ناجي” أن البحر الأسود يمثل شريانًا أساسيًا لسوق الحبوب العالمي، وأن أي اضطراب فيه سينعكس سريعًا على أسعار الغذاء وتكاليف النقل والتأمين، مما سيؤثر على الأمن الغذائي لملايين البشر.

أما فيما يتعلق بلبنان، فقد أدى انفجار مرفأ بيروت عام 2020 إلى تدمير صوامع القمح، مما جعل البلاد تعتمد على تخزين القمح في المطاحن بقدرة لا تكفي لأكثر من شهر أو شهرين. وفي ظل التوترات البحرية الراهنة، يرى “ناجي” أن بناء صوامع معدنية أفقية في سهل البقاع وسهل عكار، بالإضافة إلى تشجيع زراعة القمح والحبوب، تعتبر خطوات ضرورية لتعزيز الأمن الغذائي الوطني.