وطننا مليء بمحطات تاريخية بارزة، محفورة في الذاكرة بأيام وشهور وسنوات وعقود. ما تكاد هذه المحطات تظهر حتى تنفجر، متسببة بشظايا تطال المؤيدين والمعارضين والمتهمين بالخيانة. وإذا كان التاريخ -كما هو معروف- يلقن الإنسان الدروس ويجعله أكثر وعياً وقدرة على اتخاذ القرارات الصائبة، فإن تاريخنا اللبناني عبارة عن منجم غني بالمحطات الحاسمة التي، بسبب كثرة الخلاف عليها وندرة الاتفاق حولها، تجعلنا نطرح ألف سؤال وسؤال حول مصير الوطن الموصوف، بلغة السلام، “بالرسالة”. مرت اثنتان وأربعون سنة على اتفاقية “17 أيار” التي اتُهمت بالخيانة. سبقها اتفاق الهدنة، وتلاها القرار 1701 لوقف القتال بين إسرائيل وحزب الله، والقرار 425، واتفاقية 27 تشرين الثاني 2024 لوقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل، وصولاً إلى ما يتردد اليوم في التحليلات والواقع تحت مسمى: “مفاوضات لجنة “الميكانيزم” لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله”. وفي كل هذه المحطات، هناك الكثير من الشظايا التي تصيب هنا وهناك. إن تطورات “ميكانيزم” هذه اللحظة تذكر من نسي باتفاقية “17 أيار” التي ألغيت منذ عقود، والتي تعود اليوم لتظهر في المقارنات بين ما تم وألغي، وما قد يتم وينذر – أي تقدم فيه – بالإلغاء. أكثر من أربعين عاماً، والعالم تغير ويتغير، أما نحن فما زلنا ندور في نفس الدائرة. فما هي التفاصيل الجديدة التي تذكرنا بمحطة قديمة؟
– نوال نصر
إن المفاوضات في لبنان وحوله تتسم بالجمود، وبالكثير من التحليلات، إن لم نقل التلفيقات، التي يتبادلها الأطراف. قبل أكثر من أربعين عاماً، قيل إن اتفاقية “17 أيار” ألغيت لأنها كانت لصالح العدو وليس لصالح لبنان واللبنانيين. “إنها مفاوضات أدارتها – كما قيل – إسرائيل بالنيابة عن لبنان”. الرئيس اللبناني آنذاك، أمين الجميل، هو من ألغى مفاعيلها. واليوم، يحاول الرئيس اللبناني الحالي، جوزاف عون، هندسة اتفاق ضروري في هذه اللحظة. لكن الأصوات نفسها -تقريباً نفسها- عادت لترتفع معترضة من أطراف كانوا السبب المباشر في تكوينها. فهل سيعيد التاريخ كتابة السيناريو نفسه؟ وهل التفاصيل المحيطة اليوم هي نفسها التي كانت قائمة آنذاك؟
يبدو نسيب حطيط، الذي شغل ذات يوم منصب عضو الهيئة التنفيذية في حركة “أمل”، متذمراً مما يحدث اليوم، محذراً من عواقب وخيمة إذا تم الاتفاق اليوم على ما ألغي في الماضي. يتميز حطيط بسعة صدره وقدرته على الإجابة على أي سؤال بوضوح وصراحة. فلنستمع إلى وجهة نظره: “اتفاق 17 أيار ذاك كانت إسرائيل تحتلّ العاصمة بيروت وتفرض شروطها، والمفاوضات جرت في خلدة. أما اليوم، فإسرائيل وصلت حتى الناقورة، وتجري مفاوضات لجنة “الميكانيزم” تحت أمرتها ووفق شروطها. وروح الاتفاقين – الاتفاق الأول ومجريات الاتفاق الثاني إذا تحقق – تؤكد على وجوب تحقيق المصلحة الإسرائيلية لا اللبنانية”.
ولكن، أليست الظروف المحيطة مختلفة تماماً بين الأمس واليوم؟ يجيب: “اليوم إذا تحقق الاتفاق يكون أكثر خطورة لأنه ينص على إقامة منطقة ترامب الاقتصادية، بمعنى خلوّ المنطقة من سكانها، بينما في اجتياح 1982 لم ينص اتفاق 17 أيار على تهجير المنطقة. وبالتالي يُراد أن يصبح الاتفاق الجديد – المتوقع – الحكم والحاكم بين لبنان وإسرائيل. وما صرّح به العدو الإسرائيلي وما تسرّب أن المشاورات بين الطرفين اقتصادية وتقنية. ولعلّ تطعيم لجنة “الميكانيزم” باسم السفير سيمون كرم يهدف لإقامة حوار مدني مستدام. وهذا ما يجعلنا أمام منعطف خطير. وما يخيفنا اليوم أن التحركات الشعبية التي حصلت عام 1982 وأدت إلى إلغاء الاتفاق، تكاد تغيب على المستويين السياسي والشعبي اليوم. ولا تتناسب مع خطورة ما يحدث”.
يتكلم نسيب حطيط مراراً مستخدماً عبارة “الشيعة في لبنان”: “لا خيار عند الشيعة اليوم إلا الاعتراض. المقاومة “تشتغل” على عامل الوقت. نحن نراهن على الوقت. إنه لمصلحتنا. وهو ليس أبداً لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية و”عملاء” الداخل. هؤلاء ليس لديهم ترف الوقت. ولو كانت لديهم القدرة على الحسم لفعلوا. نحن لا خيارات أمامنا إلا المواجهة أما هم فسيصطدمون بمعارضة داخلية و..”. نسأله: عن أي ترف تتكلم؟ وهل لنا نحن، القابعون في المنطقة المزلزلة، هذا الترف؟ يجيب مكرراً: “الشيعة اليوم يلتفون أكثر من أي يوم حول المقاومة وهم يشاهدون ما يحدث لأن إسرائيل لم تترك لهم أي خيار آخر. لم يُعطوا أي فرصة أخرى. الغرب، بمعظمه، لا يعرف المنطق الشيعي والثقافة الشيعية. في الحرب، حين يحاصر طرفٌ ما طرفاً آخر، يترك له منفذاً للخروج. الشيعة في لبنان لم يُترك لهم أي خيار للخروج. أغلقوا كل المنافذ عليها وقالوا لها سنقتلك سواء سلّمت السلاح أم لا”.
قد تكون هناك وجهة نظر في بعض ما قاله حطيط، لكنه تجاهل أن “حزب الله” هو من جعل البيئة الشيعية تنزلق في هذه المتاهة، وأن هناك وجهة نظر عند معترضين شيعة لم يلتفت إليها من أوصلوا الطائفة والبلاد إلى وضع لا مخرج منه إلا بتسليم السلاح. فمن حرب إلى حرب إلى حرب أخذت الطائفة والبلاد، والمفاوضات تجري دائماً لصالح المنتصر لا المنهزم.
على أي حال، فلنعد إلى اتفاق “17 أيار” الذي لا يزال يحتمل التأويل حتى اليوم. يقال إنه سقط بفعل اعتراض شعبي. ولكن، عند الاستماع إلى إيلي سالم، الذي كان وزيراً للخارجية في الحكومة التي وقعت عليه، تظهر وجهة نظر مختلفة تماماً. يقول سالم: “اتفاق 17 أيار كان أكبر إنجاز ديبلوماسي حصل في تاريخ الخلاف العربي الإسرائيلي. سوريا الأسد صنعت اتفاقاً مع إسرائيل ليتراجعوا عشرين متراً. أما بالنسبة إلى اتفاق 17 أيار فهناك من قال إن أمين الجميل تراجع عنه ولم يوقعه، بينما، في الحقيقة، إسرائيل هي من تراجعت عنه. اتفقنا عليه ووقّع من الجانب الإسرائيلي، لكن حين أرسلوا المكتوب إلى فيليب حبيب ضمنوه أن الاتفاق لن ينفذ إلا إذا خرجت سوريا والجيش السوري وكل الفلسطينيين المسلحين من لبنان، وأطلق جميع الأسرى الإسرائيليين عند العرب. قلنا لهم، ليس لنا علاقة بهذا كله. قلنا لهم نحن لا نتفاوض عن سوريا بل عن لبنان. استناداً لذلك، كتبت بدوري إلى فيليب حبيب قائلاً: إن الاتفاق بيننا يعلّق ونعتبره كأنه لم يكن. هم ألغوه وأنا أكدتُ على هذا الإلغاء. فهل كان أمين الجميل ليوقع على تابوت؟”.
ليس الحراك الشعبي “وحده” من ألغى ذاك الاتفاق، بل إسرائيل. لكن هناك من استمر بالترويج أنه اتفاق إذعان وأن لبنان هو من ألغاه منفرداً ويتباهى. واليوم، هناك من يذكر بقدرة “التظاهرات الشعبية” على تكرار ما حصل. حسناً. لكن السؤال التالي: هل جوزاف عون اندفع لتطعيم لجنة “الميكانيزم” بالسفير سيمون كرم بقرار شخصي بحت؟ هو تشاور مع الرئيسين نبيه بري ونواف سلام. ألم يقل هذا؟ في الشكل، يبدو وكأنه هو من قرر وفعل ونفذ وحيداً تعيين مدني في لجنة الميكانيزم، وأطلّ الشيخ نعيم قاسم ليقول إن المشاركة بشخصية مدنية في لجنة الميكانيزم “سقطة إضافية للحكومة اللبنانية وتنازل مجاني لإسرائيل” محذراً “بأن بؤسه سيكون أشد”. ولكن، أليس الأستاذ نبيه بري هو “الأخ الأكبر” للمقاومة والرئيس تشاور معه؟ أليس المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب، علي حسن خليل، قد تحدث عن “ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب” وصعوبة صدّ قطار المفاوضات المنطلق؟ يجيب نسيب حطيط: “حتى لو صرّح خليل بما فُهم القبول بالأمر الواقع فهذا كلام لا يمثل سواه. وأي شخصية شيعية تعلن خطاباً يُفهم أن في روحيته القبول والتفهم فهذا لا يمثل سواها. أما بالنسبة إلى الرئيس بري فهو قال: أنا لم أسمِّ سيمون كرم ولم أوافق على ما يحصل. وهذا دليل أن الموقف اللبناني ليس صلباً. وهو انكسر اليوم بموقف رئيس مجلس النواب، ما يضعف قرار رئيس الجمهورية ولبنان الذي يفاوض “عارياً””.
ربما، لكن من رأى تلك “الابتسامات العميقة” بين عون وبري في القداس الإلهي في واجهة بيروت البحرية، قبل يوم واحد من إعلان بعبدا القرار، لا يقتنع بكلام حطيط. يجيب: “العلاقات في لبنان فيها دائماً ما هو ظاهر وما هو باطن. في كل حال، قال جوزاف عون “بالتشاور” مع بري وسلام، وكان يُفترض أن يصدر بيان عن الرجلين يحددان ردهما الإيجابي أم السلبي من التشاور”. إذا صحّ أن بري لم يقبل لدى التشاور باسم سيمون كرم لكنه لم ينفِ قبوله بالمفاوضات المدنية؟ يكرر حطيط: “هناك منطقة فراغ بحاجة إلى توضيح من الرئيس بري نفسه”.
نتذكر هنا تلك المقولة وفيها: من حسن حظ الحكام أن الناس لا يفكرون.
فلنتابع. يبدو أن الحلول -أقله ظاهرياً- ستبقى موصدة. فالمقاومة “تشتغل” على الوقت بينما الناس في البلاد تكاد تلفظ آخر أنفاسها مع مرور الوقت. فمن يقنعنا هذه المرة أن رهان “المقاومة الإسلامية” سيصيب طالما كل الرهانات السابقة في 66 يوماً قد سقطت؟ لا ينكر حطيط ولا سواه من بيئة “الثنائي الشيعي” أن “المقاومة الإسلامية”، لأنها لا شيء تخسره، ستعمل على إلحاق الأذى بالآخرين إذا تجرأوا على التصعيد. صحيح أن الظروف المحيطة تغيرت. سوريا لم تعد كما كانت يوم ألغي اتفاق 17 أيار. والظروف ليست سهلة. لكن الاستسلام ممنوع و”المقاومة” لم تصفّر قدراتها. والمشكلة ليست مع “حزب الله” بل مع فكرة إسرائيل الكبرى.
يحاول “حزب الله” وسيظل يحاول إيجاد الذرائع للقول إن المستهدف ليس هو بل لبنان كله، بمسيحييه ومسلميه، ولذلك سيكمل “باللي بقيوا”.
سؤال أخير: إذا صحّ أن الظروف المحيطة بمفاوضات لجنة “الميكانيزم” فيها تنازلات لا يقبلها “الشيعة”، فلماذا قبل بها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون؟ يجيب حطيط: “خاف من التهويل الأميركي – الإسرائيلي. وأتى البابا (قداسة البابا) وزيارته، على عكس ما رآها البعض، ليست رعوية بل سياسية و…”.
يبدو أن التشكيك بزيارة قداسته بدأ.
والحلّ؟ هناك، في بيئة “الثنائي الشيعي”، من يقول إنه “يتخوّف” ليس من إسرائيل التي لا تمتلك القدرة على الحسم، بل من “الفتنة الداخلية”.
يبدو أن الأمور تسير ليس في اتجاه “السلام” بل نحو الانزلاق إلى متاهات: القتال حتى الرمق الأخير… وعليّ وعلى أعدائي يا ربّ.
