ملف الإعمار والإيواء: ضغوط مالية وسياسية تواجه "الحزب" في الدفعة الثانية

لبنان اليوم

– محمد علوش

في لبنان، أصبح ملف إعادة الإعمار وتعويض المتضررين من الحرب ساحة جديدة للتنافس السياسي والاقتصادي بين الدولة و”حزب الله” والقوى الدولية التي تمارس الضغوط. فبينما تتصاعد الحرب المالية على الحزب ومؤسساته وجمعياته وقطاعاته المختلفة، يواصل الحزب تنفيذ خطته التي بدأها بعد انتهاء الحرب في تشرين الثاني الماضي، مضيفاً إليها ملفاً جديداً يتعلق بالترميم وإعادة الإعمار.

ومع قرب نهاية العام الحالي، وهو الموعد المحدد لدفع تعويضات الإيواء للمتضررين من الحرب الإسرائيلية على لبنان، تكشف مصادر مطلعة لـ أن حزب الله قد بدأ بالفعل في دفع الدفعة الثانية من هذه التعويضات، في عملية مالية واسعة تجري بهدوء نظراً للأوضاع الاقتصادية والمالية الحساسة. وتوضح المصادر أن الحزب اعتمد آلية جديدة تختلف عن تلك التي استخدمها في الدفعة الأولى، بسبب تغير معايير التقييم وعدد المستفيدين، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى مثل تعويضات الأثاث.

وفقاً للمعلومات، أنهى الحزب دراسة هذا الملف خلال الصيف الماضي على مراحل، استناداً إلى الجداول الميدانية التي أُعدت بعد التقييم الميداني، إذ لا يمكن الاعتماد على “الداتا” السابقة، بعد ترميم عدد من المنازل وعودة أصحابها إليها، وتحسن أوضاع بعض العائلات التي لم تعد بحاجة إلى تعويضات إيواء. ونتيجة لذلك، انخفض عدد المستحقين إلى النصف تقريباً، وكذلك المبلغ الإجمالي المطلوب إلى الثلث تقريباً، بسبب إلغاء بند تعويضات الأثاث الذي صُرف مرة واحدة فقط في الدفعة السابقة.

على الرغم من الضغوط المالية الكبيرة التي يواجهها الحزب، إلا أنه يعتبر أن الدفعة الثانية هي استكمال لالتزامات سابقة تجاه الأسر التي تضررت منازلها بشكل جزئي أو كلي. وتشير المصادر إلى أن للعملية بعداً سياسياً إضافياً، حيث يسعى الحزب إلى إثبات استمراره كمرجع أساسي في رعاية بيئته الاجتماعية حتى بعد انتهاء الحرب، والتأكيد على أن مؤسساته الاجتماعية لا تزال قادرة على أداء دورها. وقد أدركت الإدارة الأميركية هذا الأمر مؤخراً، بناءً على نصائح فرنسية، بأن الحزب ليس مجرد سلاح، بل منظومة متكاملة ذات حضور مؤسساتي واجتماعي عميق الجذور، مما يجعل أي محاولة لعزله أو تفكيكه تتطلب مقاربة شاملة ومعقدة.

ويذكر هذا بما قاله آموس هوكستين رداً على توم باراك، عندما أشار إلى أن “الدولة التي تغيب عن أبناء بيئة المقاومة في الأزمات، لا يمكنها أن تفرض حضورها في مرحلة الاستقرار”.

في المقابل، يسير ملف إعادة الإعمار في مسار أكثر تعقيداً، حيث تخشى الحكومة اللبنانية المبادرة خوفاً من ردود الفعل الدولية الرافضة لأي تقدم في الملف دون مقابل سياسي باهظ، مما يشكل استمراراً للضغط على المقاومة وبيئتها. ومع ذلك، بدأت تظهر مؤشرات إيجابية، حيث تبدي بعض الهيئات الرسمية استعدادها للمشاركة في جهود الإعمار، على الرغم من أن العقبة المالية الأساسية ستحدد إمكانية انطلاق هذه المشاريع.

وبحسب المصادر، أعد الحزب دراسات تفصيلية لإطلاق ورشة إعادة الإعمار بدءاً بالترميم، منذ حوالي شهرين، وتشمل مناطق الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب حسب الظروف الأمنية والجغرافية. كما تم توقيع بعض عقود التلزيم، على أن يبدأ العمل بشكل أوسع في الأسابيع المقبلة، ما لم تحدث تطورات ميدانية كبيرة. وتشير المصادر إلى أن بعض الأعمال الميدانية تجري حالياً، لكنها لا تزال محدودة ولا يمكن وصفها بـ”ورشة ترميم كبرى”.

أما فيما يتعلق بالتقديرات المالية، فتقدر تكلفة إعادة الإعمار الشاملة بما يتراوح بين 7 و 11 مليار دولار لتغطية المنازل والبنية التحتية والخدمات الأساسية. وهو رقم ضخم يفوق قدرة الاقتصاد اللبناني المنهك، الذي بالكاد يؤمن رواتب موظفيه. ومن هنا تنبع حساسية الدور الذي يلعبه الحزب في مناطق نفوذه، حيث تتعامل قيادته مع هذا الملف كجزء من معركة أكبر تهدف إلى ترميم البيئة الاجتماعية والمعنوية التي استهدفت خلال الحرب.

وتختتم المصادر بالإشارة إلى أن الحزب يسعى إلى تقديم المساعدات بسرعة وبشكل مباشر للتخفيف من المعاناة، بينما يراهن خصومه على أن تتحول هذه الورشة إلى عبء مالي ثقيل يستنزف قدراته المالية بمرور الوقت، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة عليه.