لبنان اليوم

الافتتاحية –

مرة أخرى، ظهر رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع على شاشة “mtv” في مقابلة ضمن برنامج “صار الوقت”، مقدّماً ما بدا وكأنه حملة انتخابية مستمرة أكثر من كونه تحليلاً وطنياً متزناً. تحدث بعصبية انتخابية ظاهرة، متهماً رئاسة الجمهورية والحكومة بالتباطؤ في تعديل قانون الانتخاب وبالتقاعس في معالجة الملفات الكبرى، مهدداً بأن “القوات سيكون لها موقف مختلف” إذا لم تسر الأمور كما يشتهي. لكن جوهر خطابه، الذي لا يرقى لمستوى خطاب رجل دولة، يعكس عقلية رئيس جهاز انتخابي يعاني من أزمة ويسعى لحشد الدعم ولو على حساب المؤسسات. فلبنان ليس حقل تجارب للابتزاز السياسي، بل دولة قائمة على نظام توافقي دقيق يتطلب الحوار لا الإملاء، والتفاهم لا التصعيد.

قال جعجع بصريح العبارة: “لمسنا في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء أمراً غير واضح حول ملف الانتخابات النيابية، وإذا ما استمرت الأمور كذلك تأخيراً وتسويفاً فسيكون لنا موقف مختلف”. هذا التصريح يكشف أن رئيس “القوات” يتعامل مع الحكومة وكأنها جهاز تابع له، كجهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات “لا سمح الله”. إن إحالة قانون الانتخاب إلى لجنة وزارية ليست تسويفاً بل هي ممارسة دستورية. وكل من يعرف تركيبة لبنان منذ نشأته، يدرك أن أي تعديل انتخابي يحتاج إلى توافق وطني واسع لا إلى تهديد من معراب. والرئيس، الذي يدير هذا الملف بعقلية مؤسساتية، لا يمكن أن يستسلم لأسلوب التهديد الذي يتعارض مع أسس الشراكة السياسية.

كما صرح جعجع: “ننتظر كيف ستتجه الأمور، وإلا سيكون لنا موقف مختلف”. هذا المنطق القائم على التهديد والوعيد، لا يليق بمن يدعي الدفاع عن الديمقراطية، لا قدر الله. متى يتخلى جعجع عن عقلية “البلطجي السياسي” ويرفض التخلي عن عباءة “الميليشيا” القديمة؟ فالمؤسسات تحكمها القوانين لا المزاج “القواتي”، ولا منطق “إما كما أريد أو لا شيء”. ثم إن التهديد ليس لغة رجال الدولة، لا قدر الله، بل هو سلوك من يسعى لإثارة “أزمة” لحشد أنصاره.

وأضاف جعجع: “هناك انتخابات بعد 6 أشهر وما نزال نعرج هنا ونتلكأ هناك، وصحيح أن وزراء القوات أرادوا أكثر من مرة الخروج من الجلسة وقد تمنى عليهم الرئيس عون البقاء”. والرد هنا بسيط: جعجع يمارس الابتزاز لا السياسة. فكيف لمن يهدد بالانسحاب من الجلسات الحكومية أن ينتقد الآخرين لبطء المعالجة؟ والانسحاب لأن جدول الأعمال لا يناسبك ليس موقفاً وطنياً، بل انقلاب على المؤسسات.

أما قول جعجع: “مرت علينا 10 سنوات ونحن نعمل على قانون الانتخاب…”، فهو إدانة لنفسه قبل أن يكون تبريراً. جعجع الذي استغرق عقداً كاملاً لإقرار القانون الانتخابي، يريد من الرئيس جوزيف عون أن يقدم قانوناً جديداً خلال أسابيع. فضلاً عن أن مسألة اقتراع المغتربين ليست تفصيلاً إدارياً، بل قضية تمس أكثر من عشرين مقعداً نيابياً وتعيد رسم التوازن الوطني.

وفي سياق دفاعه عن اقتراح القانون الموقع من 67 نائباً، قال جعجع: “اقتراح القانون عمره 6 أشهر في أدراج المجلس”، مضيفاً أن “الرئيس بري يجب أن يضع كل مشاريع القوانين في الهيئة العامة”. هذا الادعاء غير صحيح، فاللجان النيابية اجتمعت مراراً بحضور وزيري الداخلية والخارجية اللذين طلبا مهلة لتقديم الصيغة الحكومية النهائية. نقل الملف إلى الحكومة تم ضمن الأصول، وبعد أشهر عادت الحكومة لتعلن أنها لم تتفق بعد. من يعطل فعلاً هو من يهاجم اللجان ويبتز المجلس النيابي ليحصل على قانون على مقاس طموحاته.

وقال جعجع أيضاً: “ننتظر تسلسل الأحداث كي نرى أداء الرئيس عون، وبرأيي كان يجب التصرف بشكل مختلف لأننا أصبحنا في بوز الخطر”. والرد أن التصرف المختلف المطلوب هو أن يتوقف جعجع عن حملته المنظمة ضد الرئاسة، فالرئيس عون يتصرف بمسؤولية وفق مصلحة جميع المكونات الوطنية، لا وفق أهواء جعجع أو حساباته الانتخابية. ومن الطبيعي أن يختار رئيس الجمهورية التروي والعقلانية بدلاً من الانفعال والمزايدات، فعون هو رئيس كل لبنان، وهذا ما لن يفهمه جعجع يوماً.

وحين سُئل “الحكيم” عن ملف السلاح، كرر أسطوانته القديمة قائلاً: “على رئيس الجمهورية أن يقول لمسؤولي حزب الله إنه لا حل إلا بحل الجناح العسكري”. والرد أن جعجع يكرر الكلام نفسه منذ عشرين عاماً دون جدوى، فقد شارك في حكومات غطت السلاح وتجاهلته، بينما الرئيس، وفي أقل من ستة أشهر، عمل على إصدار قرار حصر السلاح ضمن المؤسسات الشرعية. وهنا الفرق واضح بين من يتخذ خطوات عملية وبين من يهوى الضجيج الإعلامي.

وحين يتحدث عن “السرعة وأسلوب المقاربة” في اقتراع المغتربين، معترفاً بأن “الرئيسين عون وسلام كانا واضحين بتأييد الاقتراع للدوائر الـ128″، فهو يعترف ضمناً بأن المشكلة في الإيقاع لا في المبدأ، لكنه يحول المسألة التقنية إلى مادة تحريض سياسي لحشد أنصاره.

أما قوله: “ليقل لنا الرئيس عون ونحن معه ضد التعطيل، كيف لاقتراح قانون عمره 6 أشهر أن يبقى في الأدراج”، فهو مغالطة واضحة ومقصودة. فالقانون لم يحتجز في الأدراج بل أحيل إلى اللجان المختصة وفق النظام الداخلي لمجلس النواب، ومن يعطل العمل التشريعي هو من يطالب بتجاوز الأصول.

وفي تكرار ممل لخطابه حول السلاح، قال جعجع: “على الأجهزة الأمنية أن تمارس عملها وتضبط كل مخالف، وهكذا تقوم الدولة، إن السلطة هيبة”. والرد أن جعجع يتعامل مع أكثر الملفات حساسية بتهور وخفة سياسية. فالمسؤول لا يطلق الأوامر عبر الشاشات، ولا يهدد بحروب وهمية. ومن المعروف أن جعجع خاض كل معاركه ضد السلاح على الورق فقط، بينما الرئاسة تعمل تحت سقف القرار 1701 والشرعية الدولية بهدوء ومسؤولية.

في الخلاصة، لا يقدم جعجع حلولاً بل يزرع الانقسامات ويرمي التعليمات يميناً ويساراً. يهاجم الرئاسة لأنها لا تخضع لمنطقه، ويزايد على الحكومة لأنها تعمل وفق الأصول، ويتحدث عن السلاح كأنه اكتشاف جديد. أما الرئاسة، فتعمل بعقلانية رجل الدولة، وتوازن بين الداخل والخارج، وبين الواقعية والمبادئ. وبين منطق ماكينة انتخابية تبحث عن الضجيج، ورئاسة تراكم الخطوات في الممكن الوطني، تبقى الكفة واضحة: الأول يصرخ ليبقى في الصورة، والثانية تعمل لتبقى الوطن في موقعه.