
:
أطلقت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مبادرة جديدة ترمي إلى حماية حوض النهر، وذلك من خلال مراسلة رسمية وجهتها إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، تحثها فيها على اتخاذ تدابير عاجلة لوقف التلوث الحاد الذي يشهده حوض نهر الليطاني. السبب الرئيسي لهذا التلوث هو قيام مخيمات النازحين السوريين بصرف مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة دون معالجة، بكميات تقدر بأكثر من مليوني متر مكعب سنويًا.
وقد أرفقت المصلحة مع رسالتها أدلة مصورة تظهر حجم التلوث المباشر، محذرة من أن هذا الوضع، الذي ازداد سوءًا بسبب الجفاف وتراجع الموارد المائية، يشكل خطرًا كبيرًا على البيئة والصحة العامة في لبنان. ومع تحسن الأوضاع الأمنية في مناطق واسعة من سوريا، دعت المصلحة إلى عودة منظمة وكريمة للنازحين إلى بلادهم، وانتقدت استغلال بعض المنظمات والأفراد لهذه الأزمة لتحقيق مكاسب سياسية ومالية، مطالبة المفوضية بزيادة الشفافية والمساءلة البيئية في عملياتها الإنسانية.
ويوضح خبير متخصص لـ أن نداء المصلحة هذا لم يأتِ من فراغ، قائلاً: “إن وجود عدد كبير من النازحين السوريين على ضفاف نهر الليطاني، خاصة في منطقة البقاع، قد تسبب بأضرار بيئية واقتصادية وصحية جسيمة، وأبرزها تلوث النهر بالمياه العادمة نتيجة لغياب البنية التحتية المناسبة للصرف الصحي في المخيمات، حيث يتم تصريف مياه الصرف الصحي مباشرة في النهر أو في المجاري المائية، مما يزيد من نسبة البكتيريا والمواد العضوية، الأمر الذي يهدد البيئة والصحة العامة”.
كما أشار الخبير إلى أنه “فيما يتعلق بالنفايات الصلبة، فإن المخيمات غالبًا ما تفتقر إلى نظام جمع نفايات منظم، مما يؤدي إلى تراكم النفايات على ضفاف النهر أو داخل مجراه، بالإضافة إلى أن المواد البلاستيكية والعضوية تساهم في انسداد المجاري المائية وتفاقم التلوث”.
ويؤكد الخبير أيضًا على أن “تواجد النازحين على ضفاف الليطاني يمثل ضغطًا إضافيًا على الموارد المائية، وذلك بسبب الاستخدام المفرط وغير المنظم لمياه النهر في ري المزروعات أو للأغراض المعيشية داخل المخيمات، مما يستنزف المياه ويقلل من جودتها، هذا بالإضافة إلى أن إنشاء المخيمات والبنية العشوائية على الأملاك النهرية يشكل تعديًا على حرم النهر، ويعرقل أي مشروع لتأهيله أو تنظيفه”.
ويحذر الخبير من أن “تلوث المياه يؤثر على كل من السكان اللبنانيين والنازحين على حد سواء، وذلك من خلال زيادة انتشار الأمراض التي تنقلها المياه الملوثة، مثل الإسهال والتهاب الكبد. والمسؤولية لا تقع فقط على عاتق وجود النازحين، بل أيضًا على غياب المعالجة المستدامة من قبل الدولة، وضعف التنسيق بين الجهات المحلية والدولية، وغياب البنى التحتية الأساسية في المنطقة”.
ويختتم الخبير حديثه قائلاً: “الحل يكمن في تبني مقاربة شاملة تتضمن دعم المجتمعات المضيفة، وتنظيم المخيمات، وتطوير البنية التحتية، وتطبيق قوانين حماية البيئة”.
وجدير بالذكر أن دراسة نشرتها المصلحة الوطنية لمياه الليطاني عام 2020، تحت عنوان “تداعيات أزمة النزوح السوري على قطاع المياه والبيئة والكهرباء في لبنان”، كشفت أن “مخيمات النازحين العشوائية المنتشرة على طول نهر الليطاني تشكل مصدرًا كبيرًا للتلوث، حيث تقوم معظم المخيمات بتحويل النفايات السائلة والصلبة الناتجة عنها مباشرة إلى مجرى نهر الليطاني وروافده، وكذلك إلى قنوات مشاريع الري التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني”.
وكشف المسح الذي أجرته الفرق الفنية التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني خلال عام 2020، أن العدد التقريبي للنازحين في الحوض الأعلى يبلغ حوالي 974 موقعًا يضم حوالي 11,466 خيمة، ويقدر عدد النازحين المتواجدين في هذه المواقع بحوالي 68,645 نازحًا سوريًا. أما العدد التقريبي للنازحين في الحوض الأدنى فهو 4,238 نازحًا سوريًا في محيط قناة ري القاسمية، ويقدر عدد خيام النازحين السوريين الموجودة ضمن نطاق الحوض الأدنى بحوالي 934 خيمة، فيما يبلغ عدد السوريين المقيمين في منازل ضمن حدود حوض الليطاني الأدنى نحو 52,331 نازحًا. وبذلك، يبلغ العدد الإجمالي للنازحين السوريين ضمن الحوض الأدنى لنهر الليطاني وضمن نطاق مشروع ري القاسمية حوالي 57,000 نازح سوري.
علمًا بأن عدد المواليد السوريين في لبنان لا يقل عن 20,000 سنويًا، أي ما يقارب ربع مليون نسمة خلال 11 عامًا. كما سجلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى تاريخ 31 آذار 2022، حوالي 839,086 نازحًا سوريًا داخل الأراضي اللبنانية، منهم 188,990 نازحًا يقطنون المنازل، أي حوالي 22 بالمئة فقط.
تأثير وجود النازحين على قطاع المياه:
تشير الدراسة إلى أن “الطلب على مياه الشرب في المخيمات يقدر، بحسب تقدير تقريبي للاستخدام اليومي للمياه، بافتراض أن الخزانات تملأ مرة واحدة في اليوم بمتوسط استهلاك يومي يبلغ 100 لتر للفرد في اليوم. مع العلم أن مصادر المياه لهذه المخيمات تختلف، ففي بعض الأحيان يتم توصيل المياه بواسطة الشاحنات، وفي حالات أخرى يتم توفيرها من خلال الشبكة الحالية، وأحيانًا عبر حفر آبار جديدة لتأمين المياه”.
وتشير الدراسات إلى زيادة بنسبة 20 بالمئة في استخدام المياه المنزلية في لبنان بسبب أزمة اللاجئين (من 676 إلى 826 مليون متر مكعب سنويًا).
تأثير وجود النازحين على قطاع الصرف الصحي:
تحويل كميات هائلة من الصرف الصحي غير المعالج إلى الأرض المكشوفة أو إلى مجرى نهر الليطاني:
تقدر الدراسة كميات المياه العادمة الناتجة عن المخيمات الواقعة على ضفاف نهر الليطاني، في منطقة الحوض الأعلى، دون معالجة مسبقة، بحوالي 2,104,655 مترًا مكعبًا سنويًا. فيما تقدر كميات المياه العادمة الناتجة عن المخيمات الواقعة في حرم قنوات الري في منطقة الحوض الأدنى، دون معالجة مسبقة، بحوالي 135,000 متر مكعب سنويًا (اعتمادًا على معدل استهلاك النازح المقدر بـ84 لترًا يوميًا).
تحميل شبكات الصرف الصحي في الأحياء والمناطق الواقعة ضمن منطقة حوض نهر الليطاني فوق قدرتها الاستيعابية القصوى:
كما تبين الدراسة أنه خلال الكشوفات التي تقوم بها الفرق الفنية التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني على شبكات ومجاري الصرف الصحي في منطقة الحوض، هناك مشكلة متمثلة بفيضان الصرف الصحي بين المساكن وعلى الطرقات وصولًا إلى مجاري الروافد والنهر نفسه. وتشهد الشبكات المتصلة بالمساكن المكتظة بالنازحين السوريين تدفقًا مستمرًا وبكميات هائلة تتخطى القدرة الاستيعابية للشبكات القائمة، ما يؤدي إلى تشكل برك طبيعية من مياه الصرف الصحي في الأحياء والأراضي المحاذية لمجرى النهر أو قنوات الري.
بالإضافة إلى قيام سكان تلك الأحياء بتمديدات غير مرخصة للصرف الصحي، مما يؤدي إلى انسداد المجاري الرئيسية وفيضان الريغارات نتيجة تخطي قدرة الشبكة على استيعاب الكميات المحولة إليها، فضلاً عن غياب الجور الصحية المنفذة وفق الأصول الفنية لمعالجة مياه الصرف الصحي.
وخلصت الدراسة إلى النتائج التالية:
- يواجه قطاع المياه في لبنان طلبًا إضافيًا يقدر بما بين 43 و70 مليون متر مكعب في السنة، أي بزيادة تتراوح بين 8 و12 بالمئة على حجم الطلب قبل النزوح.
- يشكل النزوح السوري ثاني أكبر عامل في تدهور جودة المياه في منطقة حوض نهر الليطاني.
- محطات معالجة مياه الصرف الصحي التي تم بناؤها من خلال التمويل الدولي لا تزال لا تعمل أو تعمل بأقل من طاقتها، ما يعني أن 8 بالمئة فقط من مياه الصرف الصحي تعالج فعليًا، بينما تبلغ تغطية شبكة الصرف الصحي 60 بالمئة.
- غالبًا ما تستخدم المنازل غير المتصلة بشبكات الصرف الصحي الحفر الامتصاصية أو خزانات الصرف الصحي التي توفر الحد الأدنى من الحماية، مما يسمح بتسرب المياه العادمة الخام إلى البيئة وتلويث المياه الجوفية.
وتقدر وزارة الطاقة والمياه اللبنانية أنه تم حفر ما لا يقل عن 55,000 إلى 60,000 بئر غير مرخصة، فيما يتم بناء المزيد من المنازل خارج شبكة المياه، في بعض الأحيان بشكل غير قانوني، وأحيانًا نتيجة لسوء تخطيط استخدام الأراضي. ويتم استغلال شبكات المياه من قبل من لا يستطيعون تحمل كلفة المياه المعبأة أو المنقولة بالشاحنات، والتي تستنزف الموارد لتصل كلفتها إلى نحو 40 دولارًا شهريًا لكل أسرة في ظل الفقر المتزايد (مقارنة بأقل من 21 دولارًا لإمدادات الشبكة).
ويضاف إلى ذلك أن التخلص من مياه الصرف الصحي الناتجة عن المطابخ والغسيل والاستحمام يتم غالبًا بشكل مباشر في البيئة، مما يؤدي إلى انتشار التلوث والأمراض، كما هو الحال في المخيمات العشوائية.
المصدر: لبنان اليوم