في أول الأسباب التي يكثر معها الموت المجاني على الطرقات، ما يتعلق بـ«القرار والمعرفة»، يقول كامل إبراهيم، مدير «أكاديمية السلامة المرورية». ويقصد بالقرار قرار السلطة بجعل موضوع السلامة في سلّم الأولويات من خلال وضع إستراتيجية وطنية مبنية على خطط هادفة وعلمية تمنع هذا الموت، ويرفق به المعرفة. وهما عنصران يغيبان في الحالة اللبنانية مع إدارات «ترتبط فيها الأولويات بوضع البلد».
منذ صدور قانون السير الرقم 243 في عام 2015، انحصر تطبيقه في «هبّات» تقوم بها القوى الأمنية تتعلق بجزء من بنوده، وتحديداً تلك المرتبطة بغرامات السير، وغالباً ما ينتهي الحديث عنه بانتهاء «الهمروجة». وحتى التطبيق، يمكن القول إنه سطحي، إذ يحصر الهدف منه بتحرير محاضر ضبط لتجاوزات السائقين من ركن سيارة في مكان خاطئ أو دخول من طريق معاكس للسير، وغيرهما.أما الأسوأ من تلك السطحية، فهو أن قيمة هذه الغرامات غير رادعة، إذ إنه مع الانهيار المالي وتغيّر سعر صرف العملة، لم يعد مثلاً محضر ضبط السرعة البالغ في حدّه الأقصى 500 ألف ليرة لبنانية، أي ما يعادل 6 دولارات، عاملاً محفّزاً لعدم ارتكاب المخالفة. وهذا جزء تقع مسؤوليته على عاتق مجلس النواب، بحسب إبراهيم، لناحية العمل على تعديل القيمة، بما يجعله قانوناً رادعاً.الإشكالية الثانية، تتعلق بـ«المجلس الوطني للسلامة المرورية» الذي ينص عليه القانون. فرغم تعيين أمانة سر لهذا المجلس، الذي يرأسه رئيس مجلس الوزراء، إلا أنه منذ لحظة الإطلاق معطّل. وتكمن أهمية هذا المجلس في أنه المسؤول الأول عن وضع السياسات العامة للسلامة المرورية.
ما يعزّز هذا الموت أيضاً اليوم، فَهم الوزارات الخاطئ للسلامة المرورية. وفي هذا السياق، يفترض العمل على تطبيق الحد الأدنى من السلامة على الطرقات أن تتخذ كل وزارة معنية، وهما في المقام الأول وزارتا الأشغال العامة والنقل والداخلية والبلديات، الإجراءات الضامنة كلّ حسب اختصاصها.لكن، بما أن الأولويات «ليست للسلامة المرورية»، بحسب إبراهيم، أضف إلى ذلك الفهم الخاطئ، فإن وزارة الأشغال مثلاً تحصر تلك المهمة بتزفيت الطرق و«ترقيع» الحفر فيها أو تزييح الطرق، فيما المفهوم الأشمل هو جعل الطرق «متسامحة» هندسياً وعند التخطيط. والحال نفسه ينطبق على وزارة الداخلية التي تكتفي بحملات التوعية وتحرير محاضر الضبط في فترات أقرب إلى المناسبة منها إلى الاستمرارية، فيما تتوقف المعاينة الميكانيكية منذ ما يقرب من أربع سنوات، ما تسبّب بمزيد من حصد الأرواح.وينطبق هذا التساهل أيضاً على الدراجات النارية، التي باتت أحد الأسباب الرئيسية للقتل على الطرقات، إذ تشير الإحصائيات إلى أن 30% من ضحايا الطرقات هم من مستخدمي الدراجات النارية، فيما 40% هم من المشاة. وبحسب إبراهيم، فإن أي حادث على الدراجة النارية هو «حادث مميت حكماً». واليوم سيأتي الموت أيضاً مع «التوك توك» الذي بات يغزو الشوارع بلا رقابة.وإذ كانت الأطراف المعنية بالسلامة المرورية ترجع أمر تقاعسها إلى التمويل، إلا أن ما يفوت هذه الجهات أن «التمويل من دون خطة هادفة لا يحلّ الأزمة». فالمطلوب قبل المال هو تشخيص المشكلة بشكل واضح «من خلال تحليل أسباب الحادث لتحديد نوعية العلاج».فما هو مطلوب مثلاً من وزارة الأشغال ليس الاكتفاء بالتزفيت، وإنما صيانة الطرق ووضع خطط هادفة لتأمين سلامة الناس، وهو ما يتطلب «التدقيق في عناصر السلامة المرورية». وهذا ما يحصل في معظم دول العالم، حيث إن أبسط ما يرافق موضوع السلامة المرورية هو ما يُسمى بالدليل الإرشادي الذي تضعه السلطة وتفرض تطبيقه على الوزارات والبلديات وأيضاً المعنيين بموضوع السلامة من مقاولين واستشاريين وغيرهم.السلامة ليست بالمال، وإنما بالخطط الهادفة على الأرض، يحسمُ إبراهيم. أما كيف يكون ذلك؟ فمن خلال تطبيق القانون بالكامل وليس بالارتجال، مع مواكبة التغيّرات على أرض الواقع والتدقيق في معايير السلامة العامة.